اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ الآية لما ذكر في أوّل السورة :﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ فكان هذا إنعاماً من الله على الرسول من حيث إنَّه فوض إليه -صلوات الله وسلامه عليه- هذا الأمر العظيم وإنعاماً على الخلقِ حيثُ أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر [ إلى الرشد ](١)، وأرشدهم إلى نور الإيمان. ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تعهد النعمة، والإحسان في الوجهين ؛ أمَّا بالنسبة إلى الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- ؛ فلأنه -تعالى- بين أنَّ سائر الأنبياء -عليه الصلاة و السلام أجمعين- كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأنت يا محمد فمبعوث إلى عالم البشر، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق فهو أنه -تعالى- ما بعث رسولاً إلى قوم إلا بلسانهم ليسهل عليهم فهم تلك الشريعة فهذا وجه النظم.
قوله :﴿إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ يجوز أن يكون حالاً، أي : إلاَّ [ متكلماً ](٢) بلغة قومه.
قال القرطبي(٣) :" وحَّد اللسان، وإن أضافه إلى القوم ؛ لأن المراد به اللغة فهو اسم جنسٍ يقع على القليلِ، والكثير ".
وقرأ العامة :" بلِسانِ " بزنة كتابِ، أي : بلغةِ قومهِ. وقرأ أبو(٤) الجوزاء وأبو السمالِ وأبو عمران الجوني : بكسر اللام وسكون السين، وفيه قولان :
أحدهما : أنَّهما بمعنى واحد، كالرِّيشِ والرِّياش.
والثاني : أنَّ اللسان يطلق على العضو المعروف وعلى اللغةِ، وأمَّا اللِّسنُ فخاص باللغة، ذكره ابن عطيَّة، وصاحب اللَّوامح.
وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل(٥)، والجحدريُّ : بضم اللام والسين، وهو جمع لِسَان كَكِتَاب وكُتُب، وقرئ بسكون السين(٦) فقط، وهو تخفيفٌ للقراءة قبله، نحو " رُسْل في رُسُل "، و " كُتْب " في " كُتُب "، والهاء في " قَوْمِهِ " الظاهر عودها على " رَسُولٍ " المذكور وعن الضحاك أنَّها تعود على محمد -صلوات الله وسلامه عليه- وغلطوه في ذلك إذ يصير المعنى : إنَّ التوراة وغيرها أنزلت بلسان العرب ليبين لهم النبي -عليه الصلاة والسلام- التوراة.
احتجَّ بعضهم بهذه الآية على أنَّ اللُّغات اصطلاحية، فقال : لأنَّ التوقيف لجميع الرسل لا يكون إلاَّ بلغة قوم، وذلك يقتضي تقدُّم حصول اللغات على إرسال الرسل، وإذا كان كذلك ؛ امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف ؛ فوجب حصولها بالاصطلاح.
ومعنى الآية : وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ بلغة قومه.
فإن قيل : هذه الآية تدلُّ على أنَّ النبي المصطفى -صلوات الله وسلامه عليه- إنَّما بُعِثَ للعرب خاصة، فكيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله ﷺ :
" وبُعِثْتُ إلى النَّاس عَامَّة ".
فالجواب : بُعِثَ إلى العرب بلسانهم والناس تبعٌ لهم، ثم بعث الرُّسلُ إلى الأطراف يدعوهم إلى الله -تعالى- ويترجمون لهم بألسنتهم.
وقيل : المراد من قومه أهل بلدته، وليس المراد من قومه أهل دعوته بدليل عموم الدعوة في قوله :﴿قُلْ يا أيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وإلى الجنّ أيضاً ؛ لأن التَّحدي ثابت لهم في قوله تعالى :﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: ٨٨].
قال القرطبي(٧) :" ولا حجة للعجم، وغيرهم في هذه الآية ؛ لأنَّ كل من ترجم له ما جاء به النبي -صلوات الله وسلامه عليه- ترجمةً يفهمها لزمته الحجة وقد قال الله -عز وجل- ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾، وقال -عليه الصلاة والسلام- :" أرْسلَ كُلُّ نبي إلى أمَّتهِ بِلسَانهَا وأرْسَلنِي اللهُ إلى كُلِّ أحْمَرَ وأسْودَ مِنْ خَلْقِهِ ".
وقال ﷺ :" لا يَسْمعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذهِ الأمَّة يَهُوديّ، ولا نَصْرانِيّ ثُمَّ لَمْ يُؤمِنْ بالَّذي أرسِلْتُ بِهِ إلاَّ كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ " وخرجه مسلم -رحمه الله-(٨).
زعمت طائفة من اليهود يقال لهم :[ العيسوية ](٩) أنَّ محمداً رسول الله ولكن إلى العرب خاصة، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين :
الأول : أنَّ القرآن لما نزل بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب، فلا يكون القرآن حجة إلاَّ على العربِ، ومن لم يكن عربياً لم يكن القرآن حجة عليه ؛ لأنه ليس بمعجزة في حقه لعدم علمه بفصاحته.
الثاني : قوله تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، ولسانه لسان العرب فدلَّ على أنَّه ليس له قوم سوى العرب.
والجواب ما تقدَّم في السُّؤال قبله.
قوله :" فَيُضِلُّ " استنئاف إخبار، ولا يجوز أن نصبه عطفاً على ما قبله ؛ لأنَّ المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا [ للإضلال ].
قال الزجاج :" لو قرئ بنصبه على أنَّ اللاَّم لام العاقبة جاز ".
قوله :﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ تمسّك أهل السُّنَّة بهذه الآية على أنَّ الهداية، والضلال من الله -سبحانه وتعالى جل ذكره-.
قالوا : وممَّا يؤكد هذا المعنى أن أبا بكرٍ، وعمر -رضوان الله عنهما- وعن الصَّحابة أجمعين -أقبلا في جماعة من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فقال النبي ﷺ ما هذا ؟ فقال بعضهم يا رسول الله : يقول أبو بكرٍ : الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا ويقول عمر : كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وتبع بعضهم عمر، فتعرف الرسول ما قاله أبو بكر -رضي الله عنه- وأعرض عنه حتى عرف في وجهه، ثم أقبل على عمر -رضي الله عنه- فتعرف ما قاله، وعرف السرور في وجهه، فقال -صلوات الله وسلامه عليه- :" أقضي بينكما كما قضى إسرافيل بين جبريل وميكائيل -صلوات الله وسلامه عليهما- فقال جبريلُ مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكرٍ، فقضاء إسرافيل -صلوات الله عليه- أن القدر كله خيره وشره من الله -تعالى- وهذا قضائي بينكما " ؟.
قالت المعتزلة : لا يمكن أجراءُ هذه الآية على ظاهرها لوجوه :
الأول : أنه -تبارك وتعالى- قال :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أي : ليبين لهم التكاليف بلسانهم فيكون إدراكهم لذلك التبيان أسهل ووقوفهم على الغرض أكمل وهذا الكلامُ إنَّما يصحُّ إذا كان مقصود الله -تعالى- من إرسال الرَّسول -صلوات الله وسلامه عليه- حصول الإيمان للمكلفين، فلو كان مقصوده الإضلال، وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائماً لهذا المقصود.
والثاني : أنَّه -عليه الصلاة والسلام- إذا قال لهم : إنَّ الله يخلقُ الكفر والإضلال فيكم، فلهم أن يقولوا : فما لنبوتك فائدة، وما المقصود من إرسالك ؟ وهل يمكننا أن نزيل كفراً خلقه الله فينا ؟ وحينئذ تبطل دعوة النبوة، وتفسد بعثة الرسل.
الثالث : إذا كان الكفر حاصلاً بتخليق الله -تعالى- ومشيئته، فيجب أن يكون الرضا به واجباً ؛ لأن الرِّضا بقضاء الله واجب، وذلك لا يقوله عاقل.
الرابع : أنَّ مقدمة الآية، وهي قوله -جل ذكره- ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ يدلُّ على العدل، وأيضاً مؤخر الآية يدلُّ عليه وهو قوله -جلَّ ذكره- ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ فكيف يكون حكيماً من كان خالقاً للكفر والقبائح ؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّه لا يمكن جعل قوله :
﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ دليل على خلق الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه :
الأول : المراد من الإضلال هو الحكم بكونه ضالاًّ كما يقال : فلانٌ يُكفِّرُ فُلاناً ويضله أي : يحكمُ بكونه كافرا ضالاً.
والثاني : أنَّ الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنَّة إلى النَّار.
والثالث : أنَّه يقال : إنه تعالى لما ترك الضّال على ضلاله، ولم يتعرض له فكأنه أضله والمهتدي أنَّه بالألطاف صار كأنه هداه.
قال الزمخشري(١٠) :" والمراد بالإضلال التخلية، ومنع الإلطاف وبالهداية : اللّطف، والتَّوفيق ".
قال ابن الخطيب(١١) -رحمه الله- :" والجواب قوله -عزَّ وجلَّ- ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ لا يليق به أن يضلهم.
قلنا قال الفراء : إذا ذكر فعل، وبعده آخر، فإن كان الفعل الثَّاني مشاكلاً للأول نسقه عليه، وإن لم يكن مشاكله، استأنفه ورفعه، نظيره :
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله﴾ [التوبة: ٣٢] وفي موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ؛ لأنَّه لا يحسن أن يقال : يريدون أن يأبى الله، فلما لم يكن وضع الثاني في موضع الأول بطل العطف.
ونظيره أيضاً قوله :﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرحام﴾ [الحج: ٥] ومن ذلك قولهم :" أردت أن أزُوركَ فمَنعَنِي المطرُ " بالرفع غير منسوق على ما قبله كما ذكرناه ؛ ومثله قول الشاعر :[ الرجز ]
وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا قال الله تعالى :﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ثمَّ قال :﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ ذكر :" فَيُضِلُّ " بالرفع فدلَّ على أنَّه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله، وتقديره من حيث المعنى كأنَّه قال -عزَّ وجلَّ- : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه، ثم قال : ومع أنَّ الأمر كذلك فإنَّه -تعالى- يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، والغرضُ منه : التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية، وإنما كان الأمر كذلك ؛ لأنَّ الهداية، والضلال لا يحصلان إلاَّ من الله -تعالى-.
وأما قولهم : لو كان الضلال حاصلاً بخلق الله -تعالى- لكان للكافر أن يقول : ما الفائدة في نبوتك ودعوتك ؟ فالخَصْم يُسلِّم أن هذه الآيات إخبار عن كونه ضالاًّ فيقول له الكافر : لما أخبر إلهك عن كوني كافراً فإن آمنت صار إلهك كاذباً، وهل أقدر على جعل علمه جهلاً ؟ وإذا لم أقدر عليه، فكيف يأمرني بهذا الإيمان ؟ فالسؤال وارد عليه.
وأما قولهم ثالثاً : يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجباً ؛ لأنَّ الرِّضا بقضاء الله واجب قلنا : ويلزمُ أيضاً على مذهبك أن يكون السعي في تكذيب الله وفي تجهيله واجباً ؛ لأنَّه -تعالى- لما أخبر عن كفره، وعلم كفره، فإزالته الكفر عن قلب علمه جهلاً، وخبره الصدق كذباً، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ ؛ فيلزمك على مذهبك، وهذا أشد استحالة ممَّا ألزمته علينا.
وأمَّا قولهم رابعاً : إن مقدمة الآية، و هو قوله تعالى :﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ يدلُّ على صحَّة الاعتزال.
فنقول : قد ذكرنا أن قوله :﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يدلُّ على صحَّة مذهب أهل السنة.
وأما قولهم خامساً : إنَّه -تعالى- وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيماً، وذلك ينافي كونه -تعالى- خالقاً للكفر مريداً له، فنقول : وصف نفسه بكونه عزيزاً، والعزيزُ : هو الغالب القاهر، فلو أراد بالإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل، وأراد عدم الكفر منهم، وقد حصل لما بقي عزيزاً غالبا ؛ فثبت أن
قوله :﴿إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ يجوز أن يكون حالاً، أي : إلاَّ [ متكلماً ](٢) بلغة قومه.
قال القرطبي(٣) :" وحَّد اللسان، وإن أضافه إلى القوم ؛ لأن المراد به اللغة فهو اسم جنسٍ يقع على القليلِ، والكثير ".
وقرأ العامة :" بلِسانِ " بزنة كتابِ، أي : بلغةِ قومهِ. وقرأ أبو(٤) الجوزاء وأبو السمالِ وأبو عمران الجوني : بكسر اللام وسكون السين، وفيه قولان :
أحدهما : أنَّهما بمعنى واحد، كالرِّيشِ والرِّياش.
والثاني : أنَّ اللسان يطلق على العضو المعروف وعلى اللغةِ، وأمَّا اللِّسنُ فخاص باللغة، ذكره ابن عطيَّة، وصاحب اللَّوامح.
وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل(٥)، والجحدريُّ : بضم اللام والسين، وهو جمع لِسَان كَكِتَاب وكُتُب، وقرئ بسكون السين(٦) فقط، وهو تخفيفٌ للقراءة قبله، نحو " رُسْل في رُسُل "، و " كُتْب " في " كُتُب "، والهاء في " قَوْمِهِ " الظاهر عودها على " رَسُولٍ " المذكور وعن الضحاك أنَّها تعود على محمد -صلوات الله وسلامه عليه- وغلطوه في ذلك إذ يصير المعنى : إنَّ التوراة وغيرها أنزلت بلسان العرب ليبين لهم النبي -عليه الصلاة والسلام- التوراة.
فصل
احتجَّ بعضهم بهذه الآية على أنَّ اللُّغات اصطلاحية، فقال : لأنَّ التوقيف لجميع الرسل لا يكون إلاَّ بلغة قوم، وذلك يقتضي تقدُّم حصول اللغات على إرسال الرسل، وإذا كان كذلك ؛ امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف ؛ فوجب حصولها بالاصطلاح.
ومعنى الآية : وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ بلغة قومه.
فإن قيل : هذه الآية تدلُّ على أنَّ النبي المصطفى -صلوات الله وسلامه عليه- إنَّما بُعِثَ للعرب خاصة، فكيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله ﷺ :
" وبُعِثْتُ إلى النَّاس عَامَّة ".
فالجواب : بُعِثَ إلى العرب بلسانهم والناس تبعٌ لهم، ثم بعث الرُّسلُ إلى الأطراف يدعوهم إلى الله -تعالى- ويترجمون لهم بألسنتهم.
وقيل : المراد من قومه أهل بلدته، وليس المراد من قومه أهل دعوته بدليل عموم الدعوة في قوله :﴿قُلْ يا أيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وإلى الجنّ أيضاً ؛ لأن التَّحدي ثابت لهم في قوله تعالى :﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: ٨٨].
قال القرطبي(٧) :" ولا حجة للعجم، وغيرهم في هذه الآية ؛ لأنَّ كل من ترجم له ما جاء به النبي -صلوات الله وسلامه عليه- ترجمةً يفهمها لزمته الحجة وقد قال الله -عز وجل- ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾، وقال -عليه الصلاة والسلام- :" أرْسلَ كُلُّ نبي إلى أمَّتهِ بِلسَانهَا وأرْسَلنِي اللهُ إلى كُلِّ أحْمَرَ وأسْودَ مِنْ خَلْقِهِ ".
وقال ﷺ :" لا يَسْمعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذهِ الأمَّة يَهُوديّ، ولا نَصْرانِيّ ثُمَّ لَمْ يُؤمِنْ بالَّذي أرسِلْتُ بِهِ إلاَّ كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ " وخرجه مسلم -رحمه الله-(٨).
فصل
زعمت طائفة من اليهود يقال لهم :[ العيسوية ](٩) أنَّ محمداً رسول الله ولكن إلى العرب خاصة، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين :
الأول : أنَّ القرآن لما نزل بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب، فلا يكون القرآن حجة إلاَّ على العربِ، ومن لم يكن عربياً لم يكن القرآن حجة عليه ؛ لأنه ليس بمعجزة في حقه لعدم علمه بفصاحته.
الثاني : قوله تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، ولسانه لسان العرب فدلَّ على أنَّه ليس له قوم سوى العرب.
والجواب ما تقدَّم في السُّؤال قبله.
قوله :" فَيُضِلُّ " استنئاف إخبار، ولا يجوز أن نصبه عطفاً على ما قبله ؛ لأنَّ المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا [ للإضلال ].
قال الزجاج :" لو قرئ بنصبه على أنَّ اللاَّم لام العاقبة جاز ".
قوله :﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ تمسّك أهل السُّنَّة بهذه الآية على أنَّ الهداية، والضلال من الله -سبحانه وتعالى جل ذكره-.
قالوا : وممَّا يؤكد هذا المعنى أن أبا بكرٍ، وعمر -رضوان الله عنهما- وعن الصَّحابة أجمعين -أقبلا في جماعة من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فقال النبي ﷺ ما هذا ؟ فقال بعضهم يا رسول الله : يقول أبو بكرٍ : الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا ويقول عمر : كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وتبع بعضهم عمر، فتعرف الرسول ما قاله أبو بكر -رضي الله عنه- وأعرض عنه حتى عرف في وجهه، ثم أقبل على عمر -رضي الله عنه- فتعرف ما قاله، وعرف السرور في وجهه، فقال -صلوات الله وسلامه عليه- :" أقضي بينكما كما قضى إسرافيل بين جبريل وميكائيل -صلوات الله وسلامه عليهما- فقال جبريلُ مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكرٍ، فقضاء إسرافيل -صلوات الله عليه- أن القدر كله خيره وشره من الله -تعالى- وهذا قضائي بينكما " ؟.
قالت المعتزلة : لا يمكن أجراءُ هذه الآية على ظاهرها لوجوه :
الأول : أنه -تبارك وتعالى- قال :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أي : ليبين لهم التكاليف بلسانهم فيكون إدراكهم لذلك التبيان أسهل ووقوفهم على الغرض أكمل وهذا الكلامُ إنَّما يصحُّ إذا كان مقصود الله -تعالى- من إرسال الرَّسول -صلوات الله وسلامه عليه- حصول الإيمان للمكلفين، فلو كان مقصوده الإضلال، وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائماً لهذا المقصود.
والثاني : أنَّه -عليه الصلاة والسلام- إذا قال لهم : إنَّ الله يخلقُ الكفر والإضلال فيكم، فلهم أن يقولوا : فما لنبوتك فائدة، وما المقصود من إرسالك ؟ وهل يمكننا أن نزيل كفراً خلقه الله فينا ؟ وحينئذ تبطل دعوة النبوة، وتفسد بعثة الرسل.
الثالث : إذا كان الكفر حاصلاً بتخليق الله -تعالى- ومشيئته، فيجب أن يكون الرضا به واجباً ؛ لأن الرِّضا بقضاء الله واجب، وذلك لا يقوله عاقل.
الرابع : أنَّ مقدمة الآية، وهي قوله -جل ذكره- ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ يدلُّ على العدل، وأيضاً مؤخر الآية يدلُّ عليه وهو قوله -جلَّ ذكره- ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ فكيف يكون حكيماً من كان خالقاً للكفر والقبائح ؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّه لا يمكن جعل قوله :
﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ دليل على خلق الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه :
الأول : المراد من الإضلال هو الحكم بكونه ضالاًّ كما يقال : فلانٌ يُكفِّرُ فُلاناً ويضله أي : يحكمُ بكونه كافرا ضالاً.
والثاني : أنَّ الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنَّة إلى النَّار.
والثالث : أنَّه يقال : إنه تعالى لما ترك الضّال على ضلاله، ولم يتعرض له فكأنه أضله والمهتدي أنَّه بالألطاف صار كأنه هداه.
قال الزمخشري(١٠) :" والمراد بالإضلال التخلية، ومنع الإلطاف وبالهداية : اللّطف، والتَّوفيق ".
قال ابن الخطيب(١١) -رحمه الله- :" والجواب قوله -عزَّ وجلَّ- ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ لا يليق به أن يضلهم.
قلنا قال الفراء : إذا ذكر فعل، وبعده آخر، فإن كان الفعل الثَّاني مشاكلاً للأول نسقه عليه، وإن لم يكن مشاكله، استأنفه ورفعه، نظيره :
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله﴾ [التوبة: ٣٢] وفي موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ؛ لأنَّه لا يحسن أن يقال : يريدون أن يأبى الله، فلما لم يكن وضع الثاني في موضع الأول بطل العطف.
ونظيره أيضاً قوله :﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرحام﴾ [الحج: ٥] ومن ذلك قولهم :" أردت أن أزُوركَ فمَنعَنِي المطرُ " بالرفع غير منسوق على ما قبله كما ذكرناه ؛ ومثله قول الشاعر :[ الرجز ]
| يُرِيدُ أنْ يُعْربَهُ فيُعْجِمُهْ(١٢) | . . . . . . . . . . . . . . . . . |
وأما قولهم : لو كان الضلال حاصلاً بخلق الله -تعالى- لكان للكافر أن يقول : ما الفائدة في نبوتك ودعوتك ؟ فالخَصْم يُسلِّم أن هذه الآيات إخبار عن كونه ضالاًّ فيقول له الكافر : لما أخبر إلهك عن كوني كافراً فإن آمنت صار إلهك كاذباً، وهل أقدر على جعل علمه جهلاً ؟ وإذا لم أقدر عليه، فكيف يأمرني بهذا الإيمان ؟ فالسؤال وارد عليه.
وأما قولهم ثالثاً : يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجباً ؛ لأنَّ الرِّضا بقضاء الله واجب قلنا : ويلزمُ أيضاً على مذهبك أن يكون السعي في تكذيب الله وفي تجهيله واجباً ؛ لأنَّه -تعالى- لما أخبر عن كفره، وعلم كفره، فإزالته الكفر عن قلب علمه جهلاً، وخبره الصدق كذباً، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ ؛ فيلزمك على مذهبك، وهذا أشد استحالة ممَّا ألزمته علينا.
وأمَّا قولهم رابعاً : إن مقدمة الآية، و هو قوله تعالى :﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ يدلُّ على صحَّة الاعتزال.
فنقول : قد ذكرنا أن قوله :﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يدلُّ على صحَّة مذهب أهل السنة.
وأما قولهم خامساً : إنَّه -تعالى- وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيماً، وذلك ينافي كونه -تعالى- خالقاً للكفر مريداً له، فنقول : وصف نفسه بكونه عزيزاً، والعزيزُ : هو الغالب القاهر، فلو أراد بالإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل، وأراد عدم الكفر منهم، وقد حصل لما بقي عزيزاً غالبا ؛ فثبت أن
١ زيادة من ب..
٢ ي أ: مكلما..
٣ ينظر الجامع لأحكام القرآن ٩/٢٢٣..
٤ ينظر المحرر الوجيز ٣/٣٢٣ والبحر المحيط ٥/٣٩٤ والدر المصون ٤/٢٥١..
٥ ينظر: البحر المحيط ٥/٣٩٤ والدر المصون ٤/٢٥١..
٦ ينظر: البحر المحيط ٥/٣٩٤ والدر المصون ٤/ ٢٥١..
٧ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٩/٢٢٣..
٨ قدم تخريجه..
٩ ي أ: اليعقوبية..
١٠ ينظر: الكشاف ٢/٥٣٩..
١١ نظر: الفخر الرازي ١٩/٦٤..
١٢ ١ البيت للحطيئة الديوان (١١١) ينظر: معاني الفراء ٢/٦٨، الرازي ١٩/٨٣، إعراب النحاس ٣/٣٦٤، الكتاب ١/٤٣٠، الخزانة شاهد (١٤٩)، المقتضب ٢/٣٣، العقد الفريد ٢/٤٨٠، الأغاني ٢/٥٧، العمدة ١/٧٤، المغني (١٦٨)، الهمع ٢/١٣١، الدرر ٢/١٧١، اللسان (عجم)، ملحقات ديوان رؤبة (١٨٦)، شرح شواهد المغني ٤/٩٥، الدر المصون ٣/٢٥٣.
وقبله:
والشاهد فيه: رفع "فيُعجمه" على القطع، والتقدير: فإذا هو يُعجمه، ولا يجوز نصبه على العطف؛ لاختلال المعنى، فهو لا يريد إعجامه.
.
٢ ي أ: مكلما..
٣ ينظر الجامع لأحكام القرآن ٩/٢٢٣..
٤ ينظر المحرر الوجيز ٣/٣٢٣ والبحر المحيط ٥/٣٩٤ والدر المصون ٤/٢٥١..
٥ ينظر: البحر المحيط ٥/٣٩٤ والدر المصون ٤/٢٥١..
٦ ينظر: البحر المحيط ٥/٣٩٤ والدر المصون ٤/ ٢٥١..
٧ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٩/٢٢٣..
٨ قدم تخريجه..
٩ ي أ: اليعقوبية..
١٠ ينظر: الكشاف ٢/٥٣٩..
١١ نظر: الفخر الرازي ١٩/٦٤..
١٢ ١ البيت للحطيئة الديوان (١١١) ينظر: معاني الفراء ٢/٦٨، الرازي ١٩/٨٣، إعراب النحاس ٣/٣٦٤، الكتاب ١/٤٣٠، الخزانة شاهد (١٤٩)، المقتضب ٢/٣٣، العقد الفريد ٢/٤٨٠، الأغاني ٢/٥٧، العمدة ١/٧٤، المغني (١٦٨)، الهمع ٢/١٣١، الدرر ٢/١٧١، اللسان (عجم)، ملحقات ديوان رؤبة (١٨٦)، شرح شواهد المغني ٤/٩٥، الدر المصون ٣/٢٥٣.
وقبله:
| الشعر صعب وطويل سلّمــه | إذا ارتقى له الذي لا يعلمــــه |
| زلّت به إلى الحضيض قدمه | والشعر لا يسطيعه من يظلمه |
.