الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ : مبتدأ وخبر في محلِّ نصبٍ على الحال : إمَّا من " المجرمين "، وإمَّا من " مُقَرَّنين "، وإمَّا مِنْ ضميره. ويجوز أن تكونَ مستانفةً، وهو الظاهر.
والسَّرابيلُ : الثياب. وسَرْبَلْتُه، أي : أَلْبَسْتَه السِّربال. قال :
أَوْدَى بنَعْلَيَّ وسِرْباليَهْ *** ويُطلقُ على ما يُحَصَّنُ في الحَرْب، من الدِّرْع وشبهِه، قال تعالى :﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١].
والقَطِران : ما يُسْتَخْرج مِنْ شجرٍ، فيُطبخ وتُطْلَى به الإِبلُ الجُرُبُ لِيَذْهَبَ جَرْبُها بِحِدَّته، وهو أفضلُ الأشياءِ للاشتعال به. وفيه لغاتٌ : قَطِران بفتح/ القاف وكسر الطاء، وهي قراءةُ العامَّة. وقَطْران بزنة سَكْران وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. وقال أبو النجم :
لَبَّسَه القَطْرانَ والمُسُوحَا ***
وقِطْران بكسر القافِ وسكونِ الطاء بزنة سِرْحان، ولم يُقْرأ بها فيما عَلِمْت.
وقرأ جماعةٌ كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وابن عباس وأبو هريرة والحسَن " بَقَطِرٍ " بفتح القافِ وكسرِ الطاءِ وتنوينِ الراء، " آنٍ " بوزن عانٍ، جعلوهما كلمتين، والقَطِر : النحاس، والآني : اسمُ فاعل مِنْ أَنَى يَأْني، أي : تناهى في الحرارةِ كقوله :﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، وعن عمرَ رضي الله عنه " ليس بالقَطْران، ولكنه النحاسُ الذي يَصير بلَوْنِه ".
وقرىء :" وتَغَشَّى " بتشديدِ الشينِ، أي : وتَتَغشَّى، فحذف إحدى التاءين.
وقُرِئ برفعِ " وجوهُهم " ونصبِ " النار " على سبيلِ المجاز، جَعَلَ ورودَ الوجوهِ النارَ غِشْياناً.
والجملةُ من قوله " وتَغْشى " قال أبو البقاء :" حالٌ أيضاً "، يعني أنها معطوفةٌ على الحال، ولا يَعْني أنها حالٌ، والواوُ للحال ؛ لأنه مضارعٌ مثبتٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى