جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.


يقول : وتواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر، ولا تستعجل، ولكن اتئد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أن منهم من قال : أمره بالتواضع في مشيه، ومنهم من قال : أمره بترك السرعة فيه. ذكر من قال : أمره بالتواضع في مشيه :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن مجاهد وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ قال : التواضع.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ قال : نهاه عن الخيلاء. ذكر من قال : نهاه عن السرعة :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن عبد الله بن عقبة، عن يزيد بن أبي حبيب، في قوله : وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ قال : من السرعة.
قوله : وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يقول : واخفض من صوتك، فاجعله قصدا إذا تكلمت، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ قال : أمره بالاقتصاد في صوته.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ قال : أخفض من صوتك.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : إنّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ فقال بعضهم : معناه : إن أقبح الأصوات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة وأبان بن تغلب، قالا : حدثنا أبو معاوية عن جُوَيبر، عن الضحاك إنّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ قال : إن أقبح الأصوات لَصَوْتُ الحَمِيرِ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إنّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ أي أقبح الأصوات لصوت الحمير، أوّله زفير، وآخره شهيق أمره بالاقتصاد في صوته.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، قال : سمعت الأعمش يقول : إنّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ صوت الحمير.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن أشرّ الأصوات. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن يحيى بن واضح، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة والحكم بن عُتيبة إنّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ قال : أشرّ الأصوات.
قال جابر : وقال الحسن بن مسلم : أشدّ الأصوات.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله إنّ أنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ قال : لو كان رفع الصوت هو خيرا ما جعله للحمير.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : إن أقبح أو أشرّ الأصوات، وذلك نظير قولهم، إذا رأوا وجها قبيحا، أو منظرا شنيعا : ما أنكر وجه فلان، وما أنكر منظره.
وأما قوله : لَصَوْتُ الحَمِيرِ فأضيف الصوت وهو واحد إلى الحمير وهي جماعة، فإن ذلك لوجهين إن شئت، قلت : الصوت بمعنى الجمع، كما قيل لَذَهَبَ بسَمْعهمْ وإن شئت قلت : معنى الحمير : معنى الواحد، لأن الواحد في مثل هذا الموضع يؤدّي عما يؤدّي عنه الجمع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى