تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢١ وقوله تعالى :﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير﴾ ؟ كقوله(١) في آية أخرى :﴿أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ [البقرة: ١٧٠] [ وقوله في آيات أخر ](٢) :﴿قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ ﴿*قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون﴾ [ الزخرف : ٢٢ و٢٣ و٢٤ ].
كأنه يقول لرسول الله : أن قل لهم : تتبعون آباءكم، وتقلّدونهم، وإن ظهر لكم، وتبين، أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ؟ وأنهم من أصحاب السعير ؟ وتتبعون آثارهم، وتقتدون بهم، وإن ظهر لكم، وتبين أن الذي أدعوكم إليه(٣)، وجئتكم [ به ](٤) أهدى مما عليه آباؤكم، إذ تتبعون آباؤكم، وإن ظهر لكم، وتبين أن آباءكم كانوا لا يعقلون شيئا، ولا يهتدون.
حتى إن قالوا : نعم نتبعهم، وإن كانوا كما ذكرت، فإنه يظهر، ويتبين عنادهم ومكابرتهم عند إتباعهم [ إياهم حين ](٥) ظهر الحق لهم، فلم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم.
ويظهر كذبهم في قولهم :﴿والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨] أو في قولهم :[ ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ [البقرة: ١٧٠] ](٦) بل في آبائهم من هو على خلاف ما هم عليه [ أو في قولهم :﴿حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ [المائدة: ١٠٤] ](٧).
وإن قالوا : لا نتبعهم إذا كانوا على ما ذكرت فعند ذلك يقترن، ويثبت عندهم بالحجج والبراهين.
وفيه دلالة : أن أهل الفترة يعذبون، ويؤاخذون بتركهم الدين والشرائع، لأن هؤلاء الذين أخبر أنهم من أصحاب السعير، هم أهل الفترة ما بين عيسى وبين محمد.
وأهل التأويل يقولون :﴿أو لو كان الشيطان يدعوهم﴾ أي بل كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.
ومحمد بن إسحاق يقول :﴿ولا تصعّر خدّك للناس﴾ أي لا تعرض بوجهك تكبرا عن فقراء الناس إذا كلموك و ﴿مرحا﴾ أي فخرا بالخيلاء والعظمة ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ [لقمان: ١٨] أي بطر مرح فخور في نعم الله، لا يأخذ بالشكر ﴿واقصد في مشيك﴾ [ أي امش ](٨) رويدا ؛ لا تختل في مشيك، ولا تنظر حيث لا يحل، ﴿واغضض﴾ أي اخفض ﴿من صوتك﴾ أي من كلامك. يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق.
ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا :﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ لشدة صوتهم.
وقوله :﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات﴾ يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح ﴿وما في الأرض﴾ وسخر لكم ما في الأرض أي الجبال والأنهار والبحار [ وما فيها من ](٩) السفن والأشجار والنبت عاما بعام [ والدواب.
وقوله تعالى :](١٠) :﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة﴾ تسوية الخلق والرزق والإسلام ﴿وباطنة﴾ : أي ما ستر من الذنوب من ابن آدم، فلم يعلم بها أحد، ولم يعاقب فيها. فهذا كله من النعم. فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا كما هو أهله.
وقال في قوله :﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم﴾ في زعمه أن لله البنات أي الملائكة ﴿ولا هدى﴾ أي لا بيان معه من الله بما يقول ﴿ولا كتاب منير﴾ له، فيه حجة.
وأصله ما ذكرنا ﴿يجادل في الله﴾ من الوجوه التي ذكرنا ﴿بغير علم﴾ من جهة العقل ﴿ولا هدى﴾ أي ولا بيان من جهة السنة ﴿ولا كتاب منير﴾ من الله، فيه حجة له، وأسباب العلم هذه، فلم يكن له شيء مما ذكر، وبالله العصمة.
وقال أبو عوسجة : المرح النشاط، وهذا لا يكون إلا من الكبر لأنه يتبختر ﴿واقصد في مشيك﴾ أي امش مشيا رفيقا ﴿واغضض من صوتك﴾ /٤١٨-أ/ أي ارفق لا تصوت صوتا شديدا، وهذا أيضا من التبختر ﴿وأسبغ﴾ أي أوسع، والسابغ الواسع التام الطويل العريض.
وقال القتبي : الأصغر معرض الوجه ﴿أنكر الأصوات﴾ أقبحها ؛ عرفة قبح رفع الصموت في المخاطبة.
١ في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: وقال في آية أخرى..
٣ في الأصل وم: أنا عليه..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: إن آباءهم على ما هم عليه..
٧ في الأصل وم: ونحوه.
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: فيها..
١٠ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى