روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ الخ، أخرج ابن المنذر عن عكرمة أن رجلاً يقال له الوارث بن عمرو جاء إلى النبي ﷺ فقال : يا محمد متى قيام الساعة ؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب ؟ وقد تركت امرأتي حبلى فما تلد ؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غداً ؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت ؟ فنلزت هذه الآية، وذكر نحوه محيى السنة البغوي. والواحدي. والثعلبي فهو نظراً إلى سبب النزول جواب لسؤال محقق ونظراً إلى ما قبلها من الآية جواب لسؤال مقدر كأن قائلاً يقول : متى هذا اليوم الذي ذكر من شأنه ما ذكر ؟ فقيل : إن الله، ولم يقل إن علم الساعة عند الله مع أنه أخصر لأن اسم الله سبحانه أحق بالتقديم ولأن تقديمه وبناء الخبر عليه يفيد الحصر كما قرره الطيبي مع ما فيه من مزية تكرر الإسناد، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص أيضاً بل لفظ عند كذلك لأنها تفيد حفظه بحيث لا يوصل إليه فيفيد الكلام من أوجه اختصاص علم وقت القيامة بالله عز وجل، وقوله تعالى :﴿وَيُنَزّلُ الغيث﴾ أي في إبانه من غير تقديم ولا تأخير في بلد لا يتجاوزه به وبمقدار تقتضيه الحكمة، الظاهر أنه عطف على الجملة الظرفية المبنية على الاسم الجليل على عكس قوله تعالى :﴿نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا منافع﴾ [ المؤمنون : ١ ٢ ] فيكون خبراً مبنياً على الاسم الجليل مثل المعطوف عليه فيفيد الكلام الاختصاص أيضاً والمقصود تقييدات التنزيل الراجعة إلى العلم لا محض القدرة على التنزيل إذ لا شبهة فيه فيرجع الاختصاص إلى العلم بزمانه ومكانه ومقداره كما يشير إلى ذلك كلام الكشف، وقال العلامة الطيبي في «شرح الكشاف » : دلالة هذه الجملة على علم الغيب من حيث دلالة المقدور المحكم المتفن على العلم الشامل ؛ وقوله تعالى :﴿وَيَعْلَمُ مَا في الارحام﴾ أي أذكر أم أنثى أتام أم ناقص وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال عطف على الجملة الظرفية أيضاً نظير ما قبله، وخولف بين ﴿عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ وبين هذا ليدل في الأول على مزيد الاختصاص اعتناء بأمر الساعة ودلالة على شدة خفائها، وفي هذا على استمرار تجدد التعلقات بحسب تجدد المتعلقات مع الاختصاص، ولم يراع هذا الأسلوب فيما قبله بأن يقال : ويعلم الغيث مثلاً إشارة بإسناد التنزيل إلى الاسم الجليل صريحاً عظم شأنه لما فيه من كثرة المنافع لأجناس الخلائق وشيوع الاستدلال بما يترتب عليه من إحياء الأرض على صحة البعث المشار إليه بالساعة في الكتاب العظيم قال تعالى :﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فانظر إلى آثار رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْىِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ﴾ [ الروم : ٩ ٤، ٠ ٥ ] وقال سبحانه :﴿ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون﴾ [ الروم : ٩ ١ ] إلى غير ذلك، وربما يقال : إن لتنزيل الغيب وإن لم يكن الغيث المعهود دخلاً في المبعث بناء على ما ورد من حديث مطر السماء بعد النفخة الأولى مطراً كمني الرجال، وقيل : الاختصاص راجع إلى التنزيل وما ترجع إليه تقييداته التي يقتضيها المقام من العلم، وفي ذلك رد على القائلين مطرنا بنوء كذا وللاعتناء برد ذلك لما فيه من الشرك في الربوبية عدل عن يعلم إلى ﴿يُنَزّلٍ﴾ وهو كما ترى، وقوله تعالى :﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ أي كل نفس برة كانت أو فاجرة كما يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي ﴿مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي في الزمان المستقبل من خير أو شر، وقوله سبحانه :﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ عطف على ما استظهره «صاحب الكشف » على قوله تعالى :﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ وأشار إلى أنه لما كان الكلام مسوقاً للاختصاص لا لإفادة أصل العلم له تعالى فإنه غير منكر لزم من النفي على سبيل الاستغراق اختصاصه به عز وجل على سبيل الكناية على الوجه الأبلغ، وفي العدول عن لفظ العلم إلى لفظ الدراية لما فيها من معنى الختل والحيلة لأن أصل دري رمي الدرية وهي الحلقة التي يقصد رميها الرماة وما يتعلم عليه الطعن والناقة التي يسيبها الصائد ليأنس بها الصيد فيستتر من ورائها فيرميه وفي كل حيلة، ولكونها علماً بضرب من الختل والحيلة لا تنسب إليه عز وجل إلا إذا أولت بمطلق العلم كما في خبر خمس ﴿أإله مَّعَ الله تَعَالَى﴾ وقيل : قد يقال الممنوع نسبتها إليه سبحانه بانفراده تعالى أما مع غيره تبارك اسمه تغليباً فلا، ويفهم من كلام بعضهم صحة النسبة إليه جل وعلا على سبيل المشالكة كما في قوله :
لا هم لا أدري وأنت الداري *** فلا حاجة إلى ما قيل : إنه كلام إعرابي جلف لا يعرف ما يجوز إطلاقه على الله تعالى وما يمتنع فيكون المعنى لا تعرف كل نفس وإن أعملت حيلها ما يلصق بها ويختص ولا يتخطاها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد وأبعد، وقد روعي في هذا الأسلوب الإدماج المذكور ولذا لم يقل : ويعلم ماذا تكسب كل نفس ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت. وجوز أن يكون أصل ﴿وَيُنَزّلُ الغيث﴾ وأن ينزل الغيث فحذف إن وارتفع الفعل كما في قوله :
أيهذا الزاجري أحضر الوغى *** وكذا قوله سبحانه :﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الأرحام﴾ والعطف على ﴿عِلْمُ الساعة﴾ فكأنه قيل : إن الله عنده علم الساعة وتنزيل الغيث وعلم ما في الأرحام، ودلالة ذلك على اختصاص علم تنزيل الغيث به سبحانه ظاهر لظهور أن المراد بعنده تنزيل الغيث عنده علم تنزيله، وإذا عطف ﴿يُنَزّلٍ﴾ على ﴿الساعة﴾ كان الاختصاص أظهر لانسحاب علم المضاف إلى الساعة إلى الانزال حينئذ فكأنه قيل : إن الله عنده علم الساعة وعلم تنزيل الغيث، وهذا العطف لا يكاد يتسنى في ﴿وَيَعْلَمَ﴾ إذ يكون التقدير وعنده علم علم ما في الأرحام وليس ذاك بمراد أصلاً.
وجعل الطيبي ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ الخ معطوفاً على خبر إن من حيث المعنى بأن يجعل المنفي مثبتاً بأن يقال : ويعلم ماذا تكسب كل نفس غداً ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت وقال : إن مثل ذلك جائز في الكلام إذا روعي نكتة كما في قوله تعالى :﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا﴾ [الأنعام: ١٥١] فإن العطف فيه باعتبار رجوع التحريم إلى ضد الإحسان وهي الإساءة، وذكر في بيان نكتة العدول عن المثبت إلى المنفي نحو ما ذكرنا آنفاً. وتعقب ذلك «صاحب الكشف » بأن عنه مندوحة أي بما ذكر من عطفه على جملة ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ وقال الإمام : في وجه نظم الجمل الحق أنه تعالى لما قال :﴿واخشوا يَوْماً﴾ [لقمان: ٣٣] الخ وذكر سبحانه أنه كائن بقوله عز وجل قائلاً :﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] فكأن قائلاً يقول : فمتى هذا اليوم ؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لم يحصل لغيره تعالى وذلك قوله سبحانه :﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ ثم ذكر جل وعلا الدليلين اللذين ذكرا مراراً على البعث. أحدهما إحياء الأرض بعد موتها المشار إليه بقوله تعالى :﴿وَيُنَزّلُ الغيث﴾ والثاني الخلق ابتداء المشار إليه بقوله سبحانه :﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام﴾ فكأنه قال عز وجل : يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله تعالى قادر عليها كما هو سبحانه قادر على إحياء الأرض وعلى الخلق في الأرحام ثم بعد جل شأنه له أن يعلم ذلك بقوله عز وجل وما تدري الخ فكأنه قال تعالى : يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها وإن من الأشياء ما هو أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فما تعلم ماذا تكسب غداً مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة متى يكون والله تعالى ما علمك كسب غدك ولا علمك أين تموت مع أن لك في ذلك فوائد شتى وإنما لم يعلمك لكي تكون في كل وقت بسبب الرزق راجعاً إلى الله تعالى متوكلاً عليه سبحانه ولكيلا تأمن الموت إذا كنت في غير الأرض التي أعلمك سبحانه أنك تموت فيها فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه وهو وقت القيامة وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه تعالى عليهم الصلاة والسلام انتهى، ولا يخفى أن الظاهر على ما ذكره أن يقال : ويخلق ما في الأرحام كما قال سبحانه :﴿وَيُنَزّلُ الغيث﴾ ووجه العدول عن ذلك إلى ما في النظم الجليل غير ظاهر على أن كلامه بعد لا يخلو عن شيء، وكون المراد اختصاص علم هذه الخمس به عز وجل الذي تدل عليه الأحاديث والآثار، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة من حديث طويل :" أنه ﷺ سئل متى الساعة ؟ فقال للسائل : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا النبي ﷺ ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزّلُ الغيث﴾ الآية " أي إلى آخر السورة كما في بعض الروايات، وما وقع عند البخاري في «التفسير » من قوله : إلى الأرحام تقصير من بعض الرواة، وأخرجا أيضاً هما وغيرهما عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" مفتاح وفي رواية مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى لا يعلم أحد ما يكون في غد ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت وما يدري أحد متى يجيء المطر "
وأخرج أحمد. والبزار. وابن مردويه. والروياني. والضياء بسند صحيح عن بريدة قال :" سمعت رسول الله ﷺ يقول : خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة الآية " وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن ما عدا هذه الخمس من المغيبات قد يعلمه غيره عز وجل وإليه ذهب من ذهب. أخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل الظهور فأنكر عليه فقال : إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم، وفي بعض الأخبار ما يدل على أن علم هذه الخمس لم يؤت للنبي ﷺ ويلزمه أنه لم يؤت لغيره عليه الصلاة والسلام من باب أولى.
أخرج أحمد. والطبراني. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال :«أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ الآية، وأخرج أحمد.
وأبو يعلى. وابن جرير. وابن المنذر. وابن مردويه عن ابن مسعود قال : أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير الخمس ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لم يغم على نبيكم ﷺ إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان إن الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة، وأخرج سعيد بن منصور. وأحمد. والبخاري في الأدب عن ربعي بن حراش قال : حدثني رجل من بني عامر أنه قال : يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لقد علمني الله تعالى خيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله تعالى الخمس إن الله عنده علم الساعة الآية، وصرح بعضهم باستئثار الله تعالى بهن، أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى