الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
روي : أنّ رجلاً من محارب وهو الحارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله، أخبرني عن الساعةِ متَى قيامُها، وإنّي قد ألقيتُ حباتِي في الأرض وقدْ أبطأتُ عنَّا السماءُ، فمتَى تمطرُ ؟ وأخبرنِّي عنِ امرأتِي فقدْ اشتملتْ ما في بطنِها، أذكرُ أمْ أنثى ؟ وإنِّي علمْتُ ما علمْتُ أمس، فما أعملُ غداً ؟ وهذا مولدِي قد عرفتُه، فأينَ أموتُ ؟ فنزلَتْ وعن النبيّ ﷺ :" مفاتحُ الغيبِ خمسٌ " وتلا هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب، إياكم والكهانة فإن الكهانة تدعو إلى الشرك والشرك وأهله في النار. وعن المنصور أنه أهمه معرفة مدّة عمره، فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر وأشار إليه بالأصابع الخمس، فاستفتى العلماء في ذلك، فتأوّلوها بخمس سنين، وبخمسة أشهر، وبغير ذلك، حتى قال أبو حنيفة رحمه الله : تأويلها أنّ مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه ﴿عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ أيان مرساها ﴿وَيُنَزّلُ الغيث﴾ في إبانه من غير تقديم ولا تأخير، وفي بلد لا يتجاوزه به ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الأرحام﴾ أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ برّة أو فاجرة ﴿مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ من خير أو شر، وربما كانت عازمة على خير فعملت شراً. وعازمة على شر فعملت خيراً ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ أين تموت، وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت : لا أبرحها وأقبر فيها. فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدّثتها به ظنونها. وروي أنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه، فقال الرجل من هذا ؟ قال : ملك الموت، فقال : كأنه يريدني. وسأل سليمان أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند، ففعل. ثم قال ملك الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجباً منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. وجعل العلم لله والدراية للعبد. لما في الدراية من معنى الختل والحيلة. والمعنى : أنها لا تعرف - وإن أعملت حيلها - ما يلصق بها ويختص ولا يتخطاها، ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما، كان من معرفة ما عداهما أبعد. وقرىء :«بأية أرض ». وشبه سيبويه تأنيث «أيّ » بتأنيث كل في قولهم : كلتهن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى