الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
اللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعني و ﴿لَهْوَ الحديث﴾ نحو السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك وفضول الكلام، وما لا ينبغي من كان وكان، ونحو الغناء وتعلم الموسيقار، وما أشبه ذلك. وقيل : نزلت في النضر بن الحرث، وكان يتجر إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً ويقول : إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن. وقيل : كان يشتري المغنيات، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول : أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول : هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وفي حديث النبي ﷺ :" لا يحلُّ بيعُ المغنياتِ ولا شراؤُهن ولا التجارةُ فيهنّ ولا أثمانهنّ " وعنه ﷺ :" ما مِنْ رجلٍ يَرفعُ صوتَه بالغناءِ إلا بَعث اللَّهُ عليهِ شيطانَين : أحدُهما على هذا المنكبِ والآخرُ على هذا المنكبِ، فلا يزالان يضربانهِ بأَرجلِهِما حتى يكونَ هو الذي يسكتُ "، وقيل : الغناءُ منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب.
فإن قلت : ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث ؟ قلت : معناها التبيين، وهي الإضافة بمعنى من، وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه، كقولك : صفّة خز وباب ساج. والمعنى : من يشتري اللهو من الحديث ؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فبين بالحديث. والمراد بالحديث. الحديث المنكر، كما جاء في الحديث :" الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى «من » التبعيضية، كأنه قيل : ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه. وقوله :﴿يَشْتَرِى﴾ إما من الشراء، على ما روى عن النضر : من شراء كتب الأعاجم أو من شراء القيان. وإما من قوله :﴿اشتروا الكفر بالإيمان﴾ [آل عمران: ١٧٧] أي استبدلوه منه واختاروه عليه. وعن قتادة : اشتراؤه : استحبابه، يختار حديث الباطل على حديث الحق. وقرىء :﴿لِيُضِلَّ﴾ بضم الياء وفتحها. و ﴿سَبِيلِ الله﴾ دين الإسلام أو القرآن.
فإن قلت : القراءة بالضم بينة، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو : أن يصدّ الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح ؟ قلت : فيه معنيان، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدف عنه، ويزيد فيه ويمدّه، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصدّ الناس عنه. والثاني : أن يوضع ليضل موضع ليضل، من قبل أن من أضل كان ضالاً لا محالة، فدل بالرديف على المردوف.
فإن قلت : ما معنى قوله :﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قلت : لما جعله مشترياً لهو الحديث بالقرآن قال : يشتري بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق.
ونحوه قوله تعالى :﴿فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] أي : وما كانوا مهتدين للتجارة بصراء بها : وقرىء ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنصب والرفع عطفاً على يشتري. أو ليضل، والضمير للسبيل ؛ لأنها مؤنثة، كقوله تعالى :﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦]. ﴿ولى مُسْتَكْبِراً﴾ زاما لا يعبأ بها ولا يرفع بها رأساً : تشبه حاله في ذلك حال.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى