اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ﴾ القصة.
اعلم أن الله تعالى إنَّما قدَّم قصَّة يحيى -عليه الصلاة والسلام- على قصَّة عيسى -عليه الصلاة والسلام- لأنَّ الولد أعني : لأن خلق الولد من شيخين فانيين أقربُ إلى مناهج العاداتِ من خلق الولد من الأب ألبتَّة، وأحسنُ طُرُق التعليم والتفهيم الترقِّي من الأقرب فالأقرب، وإلى الأصعب فالأصعب.
قوله :﴿إِذِ انتبذت﴾ : في " إذ " أوجهٌ :
أحدها : أنَّها منصوبةٌ ب " اذْكُر " على أنَّها خرجت عن الظرفية ؛ إن يستحيلُ أن تكون باقيةً على [ مُضِيِّها ]، والعاملُ فيها ما هو نصٌّ في الاستقبال.
الثاني : أنَّه منصوبٌ بمحذوفٍ مضافٍ لمريم، تقديره : واذكر خبر مريم، أو نبأها ؛ إذا انتبذت، ف " إذْ " منصوبٌ بذلك الخبر، أو النبأ.
والثالث : أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره : وبيَّن، أي : الله تعالى، فهو كلامٌ آخرُ، وهذا كما قال سيبويه(١) في قوله :﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وهو في الظرف أقوى، وإن كان مفعولاً به.
والرابع : أن يكون منصوباً على الحال من ذلك المضاف المقدر، أي : خبر مريم، أو نبأ مريم، وفيه بعد، قاله أبو البقاء(٢).
والخامس : أنه بدل من " مريمَ " بدلُ اشتمال، قال الزمخشريُّ :" لأنَّ الأحيان مشتملةٌ على ما فيها، وفيه : أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا ؛ لوقوع هذه القصَّةِ العجيبةِ فيه ".
قال أبو البقاء(٣) -بعد أن حكى عن الزمخشريِّ هذا الوجه- :" وهو بعيدٌ ؛ لأنَّ الزمان إذا لم يكن حالاً من الجثَّة، ولا خبراً عنها، ولا صفة لها لم يكن بدلاً منها " انتهى. وفيه نظرٌ ؛ لأنه لا يلزمُ من عدم صحَّةِ ما ذكر عدمُ صحَّة البدلية ؛ ألا ترى نحو :" سُلِبَ زيدٌ ثوبُهُ " ف " ثوبه " لا يصحُّ جعله عن " زَيْد " ولا حالاً منه، ولا وصفاً له، ومع ذلك، فهو بدل اشتمالٍ.
السادس : أنَّ " إذ " بمعنى " أن " المصدرية ؛ كقولك :" لا أكْرِمُكَ إذ لم تُكْرِمْنِي " أي : لأنَّك لا تُكْرِمُني، فعلى هذا يحسنُ بدلُ الاشتمال، أي : واذكُرْ مريم انتباذهَا، ذكره أبو البقاء(٤).
وهو في الضعف غايةٌ. و " مكاناً " : يجوزُ أن يكون ظرفاً، وهو الظاهرُ وأن يكون مفعولاً به على معنى : إذ أتتْ مكاناً. قوله :﴿انتبذت﴾ الانتباذُ : افتعالٌ من النَّبْذ، وهو الطَّرْح، والإلقاء، ونُبْذَة : بضمِّ النون، وفتحها أي : ناحيةٌ، وهذا إذا جلس قريباً منك ؛ حتى لو نبذتَ إليه شيئاً، وصل إليه، ونبذتُ الشيء : رَمَيْتُهُ، ومنه النَّبِيذُ ؛ لأنَّه يطرح في الإنَاءِ.
ومنه المَنْبُوذ، وهو أصله، فصرف إلى " فعيل "، ومنه قيل للَّقيطِ : منبوذٌ ؛ لأنه رُمِيَ به.
ومنه النهيُ عن المُنَابذةِ في البيع، وهو أن يقول : إذا نبذتُ إليك الثَّوب، أو الحَصَاة، فقد وجب البَيْعُ فقوله :﴿انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ : تباعدتْ واعتزلتْ عن أهلها مكاناً في الدار، ممَّا يلي المشرق،
اعلم أن الله تعالى إنَّما قدَّم قصَّة يحيى -عليه الصلاة والسلام- على قصَّة عيسى -عليه الصلاة والسلام- لأنَّ الولد أعني : لأن خلق الولد من شيخين فانيين أقربُ إلى مناهج العاداتِ من خلق الولد من الأب ألبتَّة، وأحسنُ طُرُق التعليم والتفهيم الترقِّي من الأقرب فالأقرب، وإلى الأصعب فالأصعب.
قوله :﴿إِذِ انتبذت﴾ : في " إذ " أوجهٌ :
أحدها : أنَّها منصوبةٌ ب " اذْكُر " على أنَّها خرجت عن الظرفية ؛ إن يستحيلُ أن تكون باقيةً على [ مُضِيِّها ]، والعاملُ فيها ما هو نصٌّ في الاستقبال.
الثاني : أنَّه منصوبٌ بمحذوفٍ مضافٍ لمريم، تقديره : واذكر خبر مريم، أو نبأها ؛ إذا انتبذت، ف " إذْ " منصوبٌ بذلك الخبر، أو النبأ.
والثالث : أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره : وبيَّن، أي : الله تعالى، فهو كلامٌ آخرُ، وهذا كما قال سيبويه(١) في قوله :﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وهو في الظرف أقوى، وإن كان مفعولاً به.
والرابع : أن يكون منصوباً على الحال من ذلك المضاف المقدر، أي : خبر مريم، أو نبأ مريم، وفيه بعد، قاله أبو البقاء(٢).
والخامس : أنه بدل من " مريمَ " بدلُ اشتمال، قال الزمخشريُّ :" لأنَّ الأحيان مشتملةٌ على ما فيها، وفيه : أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا ؛ لوقوع هذه القصَّةِ العجيبةِ فيه ".
قال أبو البقاء(٣) -بعد أن حكى عن الزمخشريِّ هذا الوجه- :" وهو بعيدٌ ؛ لأنَّ الزمان إذا لم يكن حالاً من الجثَّة، ولا خبراً عنها، ولا صفة لها لم يكن بدلاً منها " انتهى. وفيه نظرٌ ؛ لأنه لا يلزمُ من عدم صحَّةِ ما ذكر عدمُ صحَّة البدلية ؛ ألا ترى نحو :" سُلِبَ زيدٌ ثوبُهُ " ف " ثوبه " لا يصحُّ جعله عن " زَيْد " ولا حالاً منه، ولا وصفاً له، ومع ذلك، فهو بدل اشتمالٍ.
السادس : أنَّ " إذ " بمعنى " أن " المصدرية ؛ كقولك :" لا أكْرِمُكَ إذ لم تُكْرِمْنِي " أي : لأنَّك لا تُكْرِمُني، فعلى هذا يحسنُ بدلُ الاشتمال، أي : واذكُرْ مريم انتباذهَا، ذكره أبو البقاء(٤).
وهو في الضعف غايةٌ. و " مكاناً " : يجوزُ أن يكون ظرفاً، وهو الظاهرُ وأن يكون مفعولاً به على معنى : إذ أتتْ مكاناً. قوله :﴿انتبذت﴾ الانتباذُ : افتعالٌ من النَّبْذ، وهو الطَّرْح، والإلقاء، ونُبْذَة : بضمِّ النون، وفتحها أي : ناحيةٌ، وهذا إذا جلس قريباً منك ؛ حتى لو نبذتَ إليه شيئاً، وصل إليه، ونبذتُ الشيء : رَمَيْتُهُ، ومنه النَّبِيذُ ؛ لأنَّه يطرح في الإنَاءِ.
ومنه المَنْبُوذ، وهو أصله، فصرف إلى " فعيل "، ومنه قيل للَّقيطِ : منبوذٌ ؛ لأنه رُمِيَ به.
ومنه النهيُ عن المُنَابذةِ في البيع، وهو أن يقول : إذا نبذتُ إليك الثَّوب، أو الحَصَاة، فقد وجب البَيْعُ فقوله :﴿انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ : تباعدتْ واعتزلتْ عن أهلها مكاناً في الدار، ممَّا يلي المشرق،
١ ينظر: الكتاب ١/١٤٣..
٢ ينظر: الإملاء ٢/١١١..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: الإملاء ٢/١١١..
٢ ينظر: الإملاء ٢/١١١..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: الإملاء ٢/١١١..