جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىَ جِذْعِ النّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِي مِتّ قَبْلَ هََذَا وَكُنتُ نَسْياً مّنسِيّاً﴾.
وفي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا بغلام فحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصيّا وبذلك جاء تأويل أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سهل، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد بن معقِل ابن أخي وهب بن منبه، قال : سمعت وهبا قال : لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثّل لها بشرا سويا فقالت له : إنّي أعُوذُ بالرّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيّا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال : لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل قالَ كذلكِ قالَ رَبّكَ هُوَ عَليّ هَيّنٌ. . . الآية استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : طرحَتْ عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قُدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا : يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم : أشعرت أيضا أني حُبلى، قالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله مُصَدّقا بكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج : يقولون : إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها.
وقوله : فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصِيّا يقول : فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحّت به عن الناس مكانا قَصِيا يقول : مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال : هو بمكان قاص، وقصيّ بمعنى واحد، كما قال الراجز :
لَتَقْعُدِنّ مَقْعَدَ القَصِيّمِنّي ذي القاذُورَةِ المَقْلِيّ
يقال منه : قصا المكان يقصو قصوا : إذا تباعد، وأقصيت الشيء : إذا أبعدته وأخّرته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصِيّا قال : مكانا نائيا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : مَكانا قَصِيّا قال : قاصيا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى