البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
قال تعالى :
﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ * ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ * ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ * ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ * ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾
قلت :﴿ذكر﴾ : خبر عن مضمر، أي : هذا ذكر، والإشارة للمتلو في هذه السورة ؛ لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر في حكم الحاضر الشاهد. وقيل : مبتدأ حُذف خبره، أي : فيما يُتلى عليك ذكر رحمت ربك. وقيل : خبر عن ﴿كهيعص﴾، إذا قلنا ؛ هي اسم للسورة، أي : المسمى بهذه الحروف ذكر رحمة ربك، و﴿عبده﴾ : مفعول لرحمة ربك، على أنها مفعول لما أضيف إليها، أو لذكر، على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى ( ذكر الرحمة ) : بلوغها إليه، و﴿زكريا﴾ : بدل منه، أو عطف بيان، و﴿إذ نادى﴾ : ظرف لرحمة، وقيل : فذكْر، على أنه مضاف إلى فاعله، وقيل : بدل اشتمال من زكريا، كما في قوله :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ. . . .﴾ [مريَم: ١٦].
يقول الحقّ جلّ جلاله : هذا الذي نتلوه عليك في هذه السورة هو ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾. قال الثعلبي :[ فيه تقديم وتأخير ]. أي : ذكر ربك عبده زكريا برحمته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : طلب الوارث الروحاني- وهو وارث العلم والحال - جائز ليبقى الانتفاع به بعد موته. وقيل : السكوت والاكتفاء بالله أولى، ففي الحديث :" يرحَم اللهُ أخانا زَكَرِيَّا، وَمَا كَان عَلَيْه مَنْ يَرِثُه " (٢) وقوله تعالى :﴿نداء خفيًا﴾.
الإخفاء عند الصوفية أولى في الدعاء والذكر وسائر الأعمال، إلا لأهل الاقتداء من الكَمَلَة، فهم بحسب ما يبرز في الوقت.
وقوله تعالى :﴿ولم أكن بدعائك ربّ شقيًّا﴾. فيه قياس الباقي على الماضي، فالذي أحسن في الماضي يحسن في الباقي، فهذا أحد الأسباب في تقوية حسن الظن بالله ؛ وأعظم منه من حسَّن الظن بالله ؛ لما هو متصف به تعالى من كمال القدرة والكرم، والجود والرأفة والرحمة، فإن الأول ملاحظ للتجربة، والثاني ناظر لعين المِنَّة. قال في الحكم :" إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، حسّن ظنك به لوجود معاملته معك، فهل عَوَّدَكَ إلا حَسَنًا ؟ وهل أسدى إليك إلا مننًا ؟ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى