تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي : وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه ؛ لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن(١) بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى :﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].
وقوله :﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي : ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
قال سفيان الثوري : الجبار الشقي : الذي يقبل(٢) على الغضب.
وقال بعض السلف : لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًّا، ثم قرأ :﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾، قال : ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورًا، ثم قرأ :﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]
وقال قتادة : ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت : طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى، عليه السلام، يجيبها : طوبى لمن تلا كلام(٣) الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا.
١ في أ: "قرن كثيرا"..
٢ في ف: "يقتل"..
٣ في أ: "كتاب"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى