روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ عطف على ﴿مُبَارَكاً﴾ [مريم: ٣١] على ما قال الحوفي وأبو البقاء، وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعداً للفصل بالجملة ومتعلقها اختار إضمار فعل أي وجعلني باراً بها، قيل هذا كالصريح في أنه عليه السلام لا والد له فهو أظهر الجمل في الإشارة إلى براءتها عليها السلام. وقرئ ﴿بِراً﴾ بكسر الباء ووجه نصبه نحو ما مر في القراءة المتواترة، وجعل ذاته عليه السلام براً من باب فإنما هي إقبال وإدبار، وجوز أن يكون النصب بفعل في معنى ﴿أوصاني﴾ أي وألزمني أو وكلفني براً فهو من باب :
علفتها تبناً وماءً بارداً *** وأقرب منه على ما في «الكشف » لأنه مثل زيداً مررت به في التناسب وإن لم يكن من بابه.
وجوز أن يكون معطوفاً على محل ﴿بالصلاة﴾ كما قيل في قراءة ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ بالنصب، وقيل إن أوصى قد يتعدى للمفعول الثاني بنفسه كما وقع في «البخاري » أوصيناك ديناً واحداً، والظاهر أن الفعل في مثل ذلك مضمن معنى ما يتعدى بنفسه، وحكى الزهراوي. وأبو البقاء أنه قرئ ﴿*وبر﴾ بكسر الباء والراء وهو معطوف على الصلاة والزكاة قولاً واحداً، والتنكير للتفخيم ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ أي لم يقض على سبحانه بذلك في علمه الأزلي، وقد كان عليه السلام في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ولم يتخذ مسكناً، وكان عليه السلام يقول : سلوني فإني لين القلب صغير في نفسي.
ومن باب الإشارة وذكر ابن عطاء في قوله تعالى :﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ [مريم: ٣٢] إن الجبار الذي لا ينصح والشقي الذي لا ينتصح نعوذ بالله سبحانه من أن يجعلنا كذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى