روح البيان — إسماعيل حقي

عن الكتاب
شمسه نه مسند وهفت اخترانختم رسل خواجه پيغمبران
آتانِيَ الْكِتابَ الإنجيل وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مع ذلك مُبارَكاً نفاعا معلما للخير اخبر عما يكون لا محالة بصيغة الماضي والجمهور على ان عيسى آتاه الله الإنجيل والنبوة فى الطفولية وكان يعقل عقل الرجال كما فى بحر العلوم يقول الفقير المشهور انه اوحى الله اليه بعد الثلاثين فتكون رسالته متأخرة عن نبوته أَيْنَ ما كُنْتُ حيثما كنت فانه لا يتقيد باين دون اين وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ اى أمرني بها امرا مؤكدا وَالزَّكاةِ اى زكاة المال ملكية يقول الفقير الظاهر ان ايصاءه بها لا يستلزم غناه بل هى بالنسبة الى اغنياء أمته وعموم الخطابات الالهية منسوب الى الأنبياء تهييجا للامة على الائتمار والانتهاء ما دُمْتُ حَيًّا فى الدنيا قال فى بحر العلوم فيه دلالة بينة على ان العبد مادام حيا لا يسقط عنه التكاليف والعبادات الظاهرة فالقول بسقوطها كما نقل عن بعض الإباحيين كفر وضلال وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى انه مادام العبد حيا لا بد من مراقبة السر واقامة العبودية وتزكية النفس يقول الفقير اقامة التكاليف عبودية وهى اما للتزكية كالمبتدئين واما للشكر كالمنتهين وكلا الامرين لا يسقط مادام العبد حيا بالغا فاذا تغير حاله بالجنون ونحوه فقد عذر وَبَرًّا [مهربان] بِوالِدَتِي عطف على مباركا اى جعلنى بارا بها محسنا لطيفا وهو اشارة الى انه بلا فحل وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً متكبرا. وبالفارسية [كردنكشى متعظم كه خلق را تكبر كنم وانسان را برنجانم] شَقِيًّا عاصيا لربه وَالسَّلامُ عَلَيَّ [سلام خداى بر منست] يَوْمَ وُلِدْتُ بلا والد طبيعى اى من طعن الشيطان وَيَوْمَ أَمُوتُ من شدائد الموت وما بعده وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا حال اى من هول القيامة وعذاب النار كما هو على يحيى يعنى السلامة من الله وجهت الىّ كما وجهت الى يحيى فى هذه الأحوال الثلاثة العظام على ان التعريف للعهد والأظهر على انه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه فان اثبات جنس السلام لنفسه تعريض لاثبات ضده لاضداده كما فى قوله تعالى وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى فانه تعريض بان العذاب على من كذب وتولى فلما كلمهم عيسى بهذا الكلام أيقنوا ببراءة امه وانها من اهل العصمة والبعد من الريبة ولم يتكلم بعد حتى بلغ سن الكلام قال فى الاسئلة المقحمة قوله يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا يدل على ان لا حياة فى القبر لانه ذكر حياة واحدة والجواب انه أراد بها الدائمة الباقية بخلاف حياة القبر انتهى يقول الفقير لا شك ان حياة البرزخ على النصف من حياة يوم البعث فان الاولى حياة الروح فقط والثانية حياة الروح والجسد معا وهى المرادة هاهنا ولا انقطاع لحياة الأرواح مذخلقت من الابديات فاقهم ثم انه نكر فى سلام يحيى وعرف فى سلام عيسى لان الاول من الله والقليل منه كثير قال. بعضهم قليلك لا يقال له قليل ولهذا قرأ الحسن اهدنا صراطا مستقيما اى نحن راضون بالقليل كذا فى برهان القرآن قال شيخى وسندى فى كتاب البرقيات له قدس سره انما اتى بطريق الغيبة فى حق يحيى عليه السلام وبطريق الحكاية فى حق عيسى عليه السلام لان كلا منهما اهل الحقيقة والفناء والكمال الجامع بين الجلال والجمال واهل الشريعة والبقاء والجلال والجمال مندرجون
تحت حيطة الكمال الا ان الميل الاستعدادي الأزلي الى جانب الحقيقة والفناء وكمال الجلال غالب فى جمعية يحيى عليه السلام بحسب الفطرة الالهية الازلية وهذه الغلبة ليست اختيارية بل اضطرارية ازلية حاصلة باستيلاء سلطنة الحقيقة والفناء وكمال الحلال على قلبه وهذا الميل الى جانب الشريعة والبقاء جمال غالب فى جمعية عيسى عليه السلام بحسب الفطرة الالهية الازلية وهذه الغلبة ايضا ليست اختيارية بل اضطرارية حاصلة باستيلاء دولة الشريعة والبقاء وجمال الكمال على قلبه ومقتضى الغلبة اليحياوية السكوت وترك النطق ولذا كان المتكلم فى بيان أحواله هو الله تعالى واتى بطريق الغيبة لانفسه وهو من قبيل من عرف كل لسانه لغلبة الفناء على البقاء وكل من كل لسانه فى معرفة الله فهو على مشرب يحيى ومقتضى الغلبة العيسوية النطق وترك السكوت ولذا كان المتكلم فى بيان احوال نفسه واتى بطريق الحكاية دون الله تعالى وهو من قبيل من عرف الله طال لسانه لغلبة البقاء على الفناء وكل من طال
لسانه فى معرفة الله فهو على مشرب عيسى عليه السلام وحال كل منهما بقضاء الله ورضاه وهما مشتركان فى الجمعية الكبرى مجتمعان فى ميل الاهلية العظمى ومنفردان فى غلبة العليا بان تكون غلبة ميل يحيى عليه السلام الى الفناء وغلبة ميل عيسى عليه السلام الى البقاء ولو اجتمعا فى تلك الغلبة ايضا لما امتاز حال أحدهما عن الآخرة بل يكون عبثا نوعا تعالى الله عن العبث ولذا لم يتجل لاحد بعين ما يتجلى به لغيره بل انما يتجلى لكل متجل له بوجه آخر ولهذه الحكمة كان الجلال غالبا فى قلب يحيى والجمال غالبا فى قلب عيسى عليه السلام حتى يكون التجلي لكل منهما بوجه آخر مع احدية أصله ويوجد بينهما فرق بعد الجمع وكل من ورث هذا المقام بعدهما الى يوم القيامة من اولياء الله الكرام يقول الله له بطريق الفيض والإلهام السلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهو من قبيل مبشراتهم الدنيوية التي أشير إليها بقوله تعالىَ هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)
الا انهم يكتمون أمثاله لكونهم مأمورين بالكتمان وعلمهم بسلامتهم يكفى لهم ولا حاجة لهم بعلم غيرهم واما الأنبياء عليهم السلام فهم يخبرون بسلامتهم لكونهم شارعين فلا بد لغيرهم من العلم بسلامتهم حتى يؤمن ويقبل دعوتهم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل انتهى قال فى اسئلة الحكم اخبر رسول الله ﷺ عن مقامهما حيث قال (ان عيسى ويحيى التقيا فقال يحيى لعيسى كأنك قد امنت مكر الله وقال عيسى ليحيى كأنك قد أيست من فضل الله ورحمت فاوحى الله تعالى إليهما ان احبكما الىّ احسنكما ظنابى) وكان عاقبة امره فى مقام الجلال ان قتل فلم يزل فائرا دمه حتى قتل من اجله سبعون الفا قصاصا منه فسكن فورانه وكان عاقبة امر عيسى فى مقام البسط والجمال ان رفع الى السماء اى الى الملأ الأعلى من مظاهر الجمال فكلاهما فى مقامهما فائزان كاملان انتهى وفى التأويلات النجمية قوله (وَيَوْمَ أَمُوتُ) فيه اشارة الى ان عيسى المعنى المتولد من نفخ الحق فى القلب قابل الموت بسم غلبات صفات النفس والمعاملات المنتجة منها لئلا يغتر الواصل بانه إذا حى بحياة لا يموت المعنى الذي فى قلبه يقول الفقير
اى بسازنده بمرده مغرورشده از دائره زندگى دور
كشت بروى متغير حالشزهر شد جمله فيض بالش
ماند دوعين قفا صورت اوكر چهـ در صورت ظاهر شده رو
در پى نفس بدش هر كه دويدتا نبندار كه سر منزل ديد
قال فى التكملة ولد عيسى عليه السلام فى ايام ملوك الطوائف لمعنى خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على ارض بابل وقيل لاكثر من ذلك وكان حمل مريم به وهى ابنة ثلاث عشرة سنة ونبئ عيسى وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وعاشت مريم بعده ست سنين وخرجت به امه من الشام الى مصر وهو صغير خوفا عليه من هيردوس الملك وذلك ان ملك فارس علم بمولده لطلوع نجمه فوجه له هدايا من الذهب والمر واللبان فاتت رسله بالهدايا حتى دخلت على هيردوس فسألوه عنه فلم يعلم به فاخبروه بخبره وبانه يكون نبيا واخبروه بالهدايا فقال لهم لم اهديتم الذهب قالوا لانه سيد المتاع وهو سيد اهل زمانه قال لهم ولم اهديتم المر قالوا لانه يجبر الجرح والكسر وهو يشفى السقام والعلل قال ولم اهديتم اللبان قالوا لانه يصعد دخانه الى السماء وكذلك هو يرفع الى السماء فخافه هيردوس وقال لهم إذا عرفتم مكانه فعرفونى به فانى راغب فيما رغبتم فيه فلما وجدوه دفعوا الهدايا لمريم وأرادوا الرجوع الى هيردوس فبعث الله لهم ملكا وقال لهم انه يريد قتله فرجعوا ولم يلقوا هيردوس وامر الله مريم ان ينتقل به الى مصر ومعها يوسف بن يعقوب النجار فسكنت به فى مصر حتى كان ابن اثنتي عشرة سنة ومات هيردوس فرجعت الى الشام انتهى- روى- ان مريم سلمت عيسى الى معلمه فعلمه ابجد فقال عيسى أتدري ما «ابجد» قال لا فقال اما الالف فآلاء الله والباء بهاء الله والجيم جلال الله والدال دين الله فقال المعلم أحسنت فما «هوز» فقال الهاء هو الله الذي لا اله الا هو والواو ويل للمكذبين والزاى زبانية جهنم أعدت للكافرين فقال المعلم أحسنت فما «حطى» قال الحاء حطة الخطايا عن المذنبين والطاء شجرة طوبى والياء يد الله على خلقه فقال أحسنت فما «كلمن» قال الكاف كلام الله واللام لقاء اهل الجنة بعضهم بعضا والميم ملك الله والنون نور الله فقال أحسنت فما «سعفص» قال السين سناء الله والعين علم الله والفاء فعله فى خلقه والصاد صدقه فى أقواله فقال أحسنت فما «قرشت» قال القاف قدرة الله والراء ربوبيته والشين مشيئته والتاء تعالى الله عما يشركون فقال له المعلم أحسنت ثم قال لمريم خذى ولدك وانصرفي فانه علمنى ما لم أكن أعرفه كذا فى قصص الأنبياء قيل هذه الكلمات وهى ابجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت وثخذ وضظغ اسماء ثمانية ملوك فيما تقدم. وقيل هى اسماء ثمانية من الفلاسفة. وقيل هذه الكلمات وضعها اليونانيون لضبط الاعداد وتمييز مراتبها كذا فى شرح التقويم وقال محمد بن طلحة فى العقد الفريد أول من وضع الخط العربي واقامه وصنع حرفه واقسامه ستة اشخاص من طسم كانوا نزولا عند عدنان بن داود وكانت اسماؤهم ابجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت ووضعوا الكتابة والخط على اسمائهم فلما وجدوا فى الألفاظ حروفا ليست فى
اسمائهم ألحقوها بها وسموها الروادف وهى الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين على حسب ما يلحق حروف الجمل هذا تلخيص ما قيل فى ذلك وقيل غيره انتهى ذلِكَ الذي فصلت نعوته الجليلة عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله موصوفا باضداد ما يصفونه ثم عكس على الحكم قَوْلَ الْحَقِّ قول الثابت والصدق وهو بالنصب على انه مصدر مؤكد لقال انى عبد الله إلخ وقوله ذلك عيسى ابن مريم اعتراض الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ اى يشكون فان المرية الشك فيقولون هو ابن الله ما كانَ لِلَّهِ ما صح وما استقام له تعالى أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ اى ولدا وجاء بمن لتأكيد النفي العام وفى التأويلات النجمية اى جزأ فان الولد جزؤ الوالد كما قال عليه السلام (فاطمة بضعة منى سُبْحانَهُ اى تنزه وتعالى تنزيها عن بهتان النصارى لانه ليس للقديم جنس إذ لا جنس له ولذلك قالوا لا فضل له إِذا قَضى أَمْراً اى أراد كونه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قال لعيسى كن فكان من غيراب والقول هاهنا مجاز عن سرعة الإيجاد. والمعنى انه تعالى إذا أراد تكوين الأشياء لم تمتنع عليه ووجدت كما أرادها على الفور من غير تأخير فى ذلك كالمأمور المطيع الذي إذا ورد عليه امر الآمر المطاع كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء وهو المجاز الذي يسمى التمثيل وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ من تمام كلام عيسى عطف على قوله (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) داخل تحت القول هذا الذي ذكرته من التوحيد صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا يضل سالكه فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ جمع حزب بمعنى الجماعة مِنْ بَيْنِهِمْ اى من بين الناس المخاطبين بقوله (رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) وهم القوم المبعوث إليهم فقالت النسطورية هو ابن الله واليعقوبية هو الله هبط الى الأرض ثم صعد الى السماء وقالت الملكانية هو عبد الله ونبيه وفى التأويلات النجمية اى تحزبوا ثلاث فرق فرقة يعبدون الله بالسير على قدمى الشريعة والطريقة بالعبور على المقامات والوصول الى القربات وهم الأولياء والصديقون وهم اهل الله خاصة وفرقة يعبدون الله على صورة الشريعة وأعمالها وهم المؤمنون المسلمون وهم اهل الجنة وفرقة يعبدون الهوى على وفق الطبيعة ويزعمون انهم يعبدون الله كما ان الكفار يعبدون الأصنام ويقولون ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى فهؤلاء ينكرون على اهل الحق وهم اهل البدع والأهواء والسمعة والنفاق وهم اهل النار فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وهم المختلفون. والويل الهلاك وهو نكرة وقعت مبتدأ وخبره ما بعده ونظيره سلام عليك فان أصله منصوب نائب مناب فعله لكنه عدل به الى الرفع على الابتداء للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ اى من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء وهو يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [چهـ شنو باشد كافران و چهـ بينا] وهو تعجب من حدة سمعهم وأبصارهم يومئذ ومعناه ان استماعهم وأبصارهم للهدى يَوْمَ يَأْتُونَنا للحساب والجزاء يوم القيامة جدير بان يتعجب منه بعد ان كانوا فى الدنيا صما وعميا والتعجب استعظام الشيء مع الجهل بسببه ثم استعمل لمجرد الاستعظام لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ اى فى الدنيا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فى خطأ ظاهر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى