جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتين مَالاً وَوَلَداً * أَطّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمََنِ عَهْداً﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : أفَرأيْتَ يا محمد الّذِي كَفَرَ بآياتِنا حججنا فلم يصدّق بها، وأنكر وعيدنا من أهل الكفر وَقالَ وهو بالله كافر وبرسوله لاَوتَينّ في الآخرة مالاً وَوَلَدا. وذُكر أن هذه الآيات أنزلت في العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا أبو السائب وسعيد بن يحيى، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب، قال : كنت رجلاً قَيْنا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال : والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت : والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال : فقال : فإذا أنا متّ ثم بُعثت كما تقول، جئتني ولي مال وولد، قال : فأنزل الله تعالى : أفَرأيْتَ الّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لاَوتَينّ مالاً وَوَلَدا أطّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتّخَذَ عِنْدَ الرّحْمنِ عَهْدا. . . إلى قوله : ويَأْتينا فَرْدا.
حدثني به أبو السائب، وقرأ في الحديث : وولدا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، أن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاصَ بن وائل السّهْمِيّ بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهبا وحريرا، ومن كلّ الثمرات ؟ قالوا : بلى، قال : فإن موعدكم الاَخرة، فوالله لأوتينّ مالاً وولدا، ولأوتينّ مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن، فقال : أفَرأيْتَ الّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لاَوتَينّ مالاً. . . إلى قوله ويَأْتِينا فَرْدا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : لاَوتَينّ مالاً وَوَلَدا قال : العاصُ بن وائل يقوله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أفَرأيْتَ الّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لاَوتَينّ مالاً وَوَلَدا فذُكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ، أتوا رجلاً من المشركين يتقاضونه دينا، فقال : أليس يزعم صاحبكم أن في الجنة حريرا وذهبا ؟ قالوا : بلى، قال فميعادكم الجنة، فوالله لا أومن بكتابكم الذي جئتم به، استهزاء بكتاب الله، ولأُوتينّ مالاً وولدا. يقول الله : أطّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتّخَذَ عِنْدَ الرّحْمَنِ عَهْدا ؟
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرّزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال : قال خَبّاب بن الأَرَتّ : كنت قَيْنا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه، فقال لي : لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال : قلت : لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال : فإذا بُعثت كان لي مال وولد، قال : فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله تبارك وتعالى : أفَرأيْتَ الّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لاَوتَينّ مالاً وَوَلَدا. . . إلى وَيأْتِيَنا فَرْدا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله وَوَلدا فقرأته عامّة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة : وَوَلَدا بفتح الواو من الولد في كلّ القرآن، غير أن أبا عمرو بن العلاء خَصّ التي في سورة نوح بالضمّ، فقرأها : مالُهُ وَوُلْدُهُ. وأما عامّة قرّاء الكوفة غير عاصم، فإنهم قرأوا من هذه السورة من قوله مالاً وَوَلَدا إلى آخر السورة، واللتين في الزخرف، والتي في نوح، بالضمّ وسكون اللام.
وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك إذا ضمت واوه، فقال بعضهم : ضمها وفتحها واحد، وإنما هما لغتان، مثل قولهم العُدْم والعَدَم، والحُزْن والحَزَن. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقول الشاعر :
فَلَيْتَ فُلانا كانَ في بَطْنِ أُمّهِوَلَيْتَ فُلانا كانَ وُلْدَ حِمارِ
ويقول الحارث بن حِلّزة :
وَلَقَدْ رأيْتُ مَعاشِراقَدْ ثَمّرُوا مالاً وَوُلْدَا
وقول رُؤْبة :
الْحَمْد لِلّهِ العَزِيزِ فَرْدَالَمْ يَتّخِذْ مِنْ وُلْدِ شَيْءٍ وُلْدَا
وتقول العرب في مثلها : وُلْدُكِ مِن دَمّى عَقِبَيْكِ، قال : وهذا كله واحد، بمعنى الولد. وقد ذُكر لي أن قيسا تجعل الوُلْد جمعا، والوَلد واحدا. ولعلّ الذين قرأوا ذلك بالضمّ فيما اختاروا فيه الضمّ، إنما قرأوه كذلك ليفرقوا بين الجمع والواحد.
قال أبو جعفر : والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي أن الفتح في الواو من الوَلد والضمّ فيها بمعنى واحد، وهما لغتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، غير أن الفتح أشهر اللغتين فيها. فالقراءة به أعجبُ إليّ لذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى