التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٣:ثم بين - عز وجل - أن هؤلاء الكافرين قد استحوذت عليهم الشياطين فزادتهم كفرا على كفرهم، فقال - تعالى - :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾.
والاستفهام للتقرير والتأكد و ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ تحركهم تحريكا قويا. وتهزهم هزا شديداً، وتحرضهم على ارتكاب المعاصى والموبقات حتى يقعوا فيها.
يقال : أز فلان الشىء يئزه ويؤزه... بكسر الهمزة وضمها أزا، إذا حركه بشدة، وأز فلان فلانا، إذا أغراه وهيجه وحثه على فعل شىء معين، وأصله من أزت القدر تؤز أزيزا، إذا اشتد غليان الماء فيها.
والمعنى : لقد علمت أنت وأتباعك أيها الرسول الكريم، أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين، وسلطناهم عليهم، وقيضناهم لهم، لكى يحضوهم على ارتكاب السيئات، ويحركوهم تحريكا شديداً نحو الموبقات حتى يقترفوها وينغمسوا فيها...
وما دام الأمر كذلك. فذرهم فى طغيانهم يعمهون، ولا تتعجل وقوع العذاب بهم. فإن الله - تعالى - قد حدد - بمقتضى حكمته - وقتا عينا لنزول العذاب بهم.
وقوله :﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ يعنى الأيام والليالى والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب... وقال الضحاك : نعد أنفسهم وقال قطرب : نعد أعمالهم عدا.
روى أن المأمون قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن له مدد، فما أسرع ما تنفد، وقيل فى هذا المعنى :
حياتك أنفاس تعد فكلما... مضى نفس منك انتقصت به جزءا
يميتك ما يحييك فى كل ليلة... ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا
وكان ابن عباس - رضى الله عنهما - إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : آخر العدد : خروج نفسك. آخر العدد : فراق أهلك آخر العدد : دخول قبرك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى