الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :/﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾[ ٨٦ ].
التقدير : إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين.
فالعامل(١) في ( يوم ) ما دل عليه الكلام الأول وهو ( نجازيهم ) يوم كذا.
ومعنى الآية : يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جزاء الرحمن ووعده.
( وفدا ) هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، ( والوفد ) : الركبان.
قال علي رضي الله عنه : اما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقا، ولكنهم(٢) يوتون بنوق، لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة(٣).
وقال أبو هريرة :( وفدا ) على الإبل(٤).
وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة : أن النبي ﷺ قال(٥) : " يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي الحسن والحسين(٦) على ناقتي العضباء(٧) والقصواء(٨) وأبعث أنا على البراق، وخطوها عند أقصى طرفها. ويبعث بلال(٩) على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، حتى إذا بلغ(١٠). أشهد أن محمدا رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك(١١) والتكذيب.
وقيل(١٢) : معنى ( وفدا ) أي : وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. ومن كان يحب الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب السفن، فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق والأهوال.
وروى(١٣) عمرو بن قيس الملائي(١٤) أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن صورة أطيبه ريحا. فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ريحك، وحسن صورتك، فيقول : كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾(١٥).
قال قتادة :( وفدا ) إلى الجنة(١٦).
وقال ابن جريج : على النجائب(١٧).
وقال الثوري : على الإبل والنوق(١٨).
وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على الملوك، المنظرون العطاء والبر والإكرام منهم.
ورويَ(١٩) أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها(٢٠) وأطيبه ريحا، فيقول : من أنت ؟ (٢١) فيقول : أما تعرفني ؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك وتعالى [ قد ](٢٢) طيب ريحك، وحسن وجهك(٢٣)، فيقول : أنا عملك الصالح، هكذا كنت في الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني. فذلك قوله تعالى :﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾قال : ويستقبل الكافر أو(٢٤) قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحا فيقول : من أنت ؟ فيقول : أما تعرفني ؟ فيقول : لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، وأنتن ريحك. فيقول : أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، فطالما ركبتني في الدنيا فهلم أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى :﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾(٢٥).
١ ز: والعامل..
٢ ز: ولكن..
٣ انظر: جامع البيان ١٦/١٢٦ وتفسير ابن كثير ٣/١٣٧ والدر المنثور ٤/٢٨٥..
٤ انظر: جامع البيان ١٦/١٢٧ والدر المنثور ٤/٢٨٤ وتفسير القرطبي ١١/١٥٢..
٥ الحديث في كنز العمال (رقم ٣٣٦٨٩) وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة برقم ٧٧١ وقال بأنه موضوع. ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه ٣/١٤٠-١٤١..
٦ الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وأمهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: طبقات ابن خياط: ٥..
٧ العضباء: اسم لناقة النبي ﷺ اللسان: (عضب)..
٨ القصواء: لقب ناقة النبي ﷺ انظر: اللسان: (قصا)..
٩ هو بلال بن رباح، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مولى أبي بكر الصديق (ت ٢١ هـ). انظر: طبقات ابن خياط: ١٩ والرياض المستطابة: ٣٨..
١٠ في ز زيادة أشهد أن لا إله إلا الله بعد، (إذا بلغ)..
١١ ز: الشرك..
١٢ القول لابن عباس في تفسير القرطبي ١١/١٥١..
١٣ ز: روي عن..
١٤ هو عمرو بن قيس الملائي، من كبار الكوفيين. انظر: ترجمته في تاريخ الثقات ٣٦٨ وتهذيب التهذيب ٨/٩٢..
١٥ انظر: جامع البيان ١٦/١٢٧ وتفسير القرطبي ١١/١٥١ وتفسير ابن كثير ٣/١٣٧..
١٦ انظر: جامع البيان ٦/١٢٧ والدر المنثور ٤/٢٨٤..
١٧ انظر: جامع البيان ١٦/١٢٧ وتفسير القرطبي ١١/١٥١ وتفسير ابن كثير ٣/١٣٧..
١٨ انظر: جامع البيان ١٦/١٢٧ وتفسير ابن كثير ٣/١٣٧..
١٩ وهو نفس الأثر السابق عن عمرو بنت قيس الملائي. وهنا تتمة له..
٢٠ رآها سقطت من ز،.
٢١ فيقول: من أنت سقط من ز..
٢٢ زيادة من ز..
٢٣ ز: صورتك..
٢٤ (و) عوض (أو) وهو تحريف..
٢٥ الأنعام: آية ٣٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى