التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
والضمير فى قوله - تعالى - :﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة...﴾ يرى بعضهم أنه يعود إلى المجرمين فى قوله ﴿وَنَسُوقُ المجرمين...﴾.
أى : نسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة لغيرهم، ولا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون الصادقون فإنهم يملكون بتمليك الله - تعالى - لهم إياهان وإذنه لهم فيها، كما قال - تعالى - :
﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ..﴾ وكما قال - سبحانه - :﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى﴾ وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعاً.
قال القرطبى : " قوله - تعالى - :﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة﴾ أى : هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد ﴿إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ وهم المسلمون فيملكونها، فهو استثناء الشىء من غير جنسه. أى : لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً يشفع، فمن فى موضع نصب على هذا... ويرى آخرون أن الضمير فى قوله :﴿لاَّ يَمْلِكُونَ...﴾ يعود إلى فريقى المتقين والمجرمين.
أى : لا يملك أحد من الفريقين يوم القيامة الشفاعة لأحد، ولا يملك غيرهم الشفاعة لهم، ﴿إِلاَّ مَنِ اتخذ﴾ منهم ﴿عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ وهم المؤمنون فإنهم يملكون بإذن الله لهم.
والمراد بالعهد الأمر والإذن، يقال : عهد الأمير إلى فلان بكذا، إذا أمره به. أو أذن له فى فعله.
وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً، ويكون لفظ ﴿مَنِ﴾ بدل من الواو فى ﴿يَمْلِكُونَ﴾.
قال الآلوسى ما ملخصه : " قوله ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة﴾ ضمير الجمع يعم المتقين والمجرمين، أى : العباد مطلقاً.... وقوله ﴿إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ اسثناء متصل.... والمعنى : لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم، إلا من اتصف منهم بما يستأهل معه أن يشفع وهو المراد بالعهد... ".
ويبدو لنا أن هذا القول أولى، لشموله وعمومه إذ الكلام السابق فى الفريقين جميعاً، فريق المتقين وفريق المجرمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى