تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ هذا إخبار : بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى(١) كونه آمرا بعلم ذلك ؛ ولهذا عطف عليه بقوله :﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول :" اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هَزْلي وجدّي، وخَطَئي وعَمْدي، وكل ذلك عندي " (٢). وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة :" اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت " (٣) وفي الصحيح أنه قال :" يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " (٤)
وقال (٥) الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال : سمعت (٦) عبد الله بن سرجس قال : أتيت رسول الله ﷺ فأكلت معه من طعامه، فقلت : غفر الله لك يا رسول الله فقلت : استغفر لك(٧) ؟ فقال :" نعم، ولكم "، وقرأ :﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، ثم نظرت إلى نُغْض كتفه الأيمن - أو : كتفه الأيسر شعبة الذي شك - فإذا هو كهيئة الجمع عليه الثآليل.
رواه مسلم، والترمذي، والنسائي(٨)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن عاصم الأحول، به(٩).
وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى : حدثنا مُحَرَّز بن عون(١٠)، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور، عن أبي نَصِيرَة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال :" عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال : أهلكت (١١) الناس بالذنوب، وأهلكوني ب " لا إله إلا الله "، والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون " (١٢).
وفي الأثر المروي :" قال إبليس : وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله عز وجل : وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني " (١٣)
والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدا.
وقوله :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي : يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم، كقوله :﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وكقوله :﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. وهذا القول ذهب إليه ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير. وعن ابن عباس : متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة.
وقال السدي : متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم.
والأول أولى وأظهر، والله أعلم.
١ - (١) في أ: "إلا هو ولا ينافي"..
٢ - (٢) صحيح البخاري برقم (٦٣٩٨)..
٣ - (٣) صحيح مسلم برقم (٧٦٩)..
٤ - (٤) صحيح البخاري برقم (٦٣٠٧)..
٥ - (٥) في ت: "وروى"..
٦ - (٦) في ت: "عن"..
٧ - (٧) في ت، م، أ: "استغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
٨ - (٨) في ت: "والنسائي وابن ماجه"..
٩ - (٩) المسند (٥/٨٢) وصحيح مسلم برقم (٢٣٤٦) والشمائل للترمذي برقم (٢٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٩٦)..
١٠ - (١٠) في م: "محمد بن عوف" وفي هـ: "محمد بن عون". والتصويب من مسند أبي يعلى..
١١ - (١١) في م: "قال: إنما أهلكت"..
١٢ - (١٢) مسند أبي يعلى (١/١٢٣)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧): "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف"..
١٣ - (١) رواه أحمد في مسنده (٣/٢٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى