جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلََئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَارَهُمْ﴾.
يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف أنهم إذا نزلت سورة محكمة، وذُكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله ﷺ نظر المغشيّ عليه فَهَلْ عَسَيْتُمْ أيها القوم، يقول : فلعلكم إن توليتم عن تنزيل الله جلّ ثناؤه، وفارقتم أحكام كتابه، وأدبرتم عن محمد ﷺ وعما جاءكم به أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ يقول : أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به، وتسفكوا فيها الدماء وَتُقَطّعُوا أرْحامَكُمْ وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرّق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام، وألّف به بين قلوبكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلّيْتُمْ. . . الآية. يقول : فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطّعوا الأرحام، وعَصَوا الرحمن.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطّعُوا أرْحامَكُمْ قال : فعلوا.
حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا محمد بن جعفر وسليمان بن بلال، قالا : حدثنا معاوية بن أبي المزرّد المديني، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال :«خَلَقَ اللّهُ الخَلْقَ، فَلَمّا فَرغ مِنْهُمْ تَعَلّقَتِ الرّحِمُ بِحَقْوِ الرّحْمَنِ » فَقالَ مَهْ : فَقالَتْ : هَذَا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ : أَفمَا تَرْضَيْنَ أنْ أقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، وأصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ؟ قالَتْ : نَعَمْ، قالَ : فَذلكِ لَكِ.
قال سليمان في حديثه : قال أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وتُقَطّعُوا أرْحامَكُمْ وقد تأوّله بعضهم : فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بمعنى الولاية، وأجمعت القرّاء غير نافعٍ على فتح السين من عَسَيتم، وكان نافع يكسرها «عَسِيتم ».
والصواب عندنا قراءة ذلك بفتح السين لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وأنه لم يسمع في الكلام : عَسِىَ أخوك يقوم، بكسر السين وفتح الياء ولو كان صوابا كسرها إذا اتصل بها مكنيّ، جاءت بالكسر مع غير المكنيّ، وفي إجماعهم على فتحها مع الاسم الظاهر، الدليل الواضح على أنها كذلك مع المكنيّ، وإن التي تَلِي عسيتم مكسورة، وهي حرف جزاء، و«أن » التي مع تفسدوا في موضع نصيب بعسيتم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى