فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم﴾ أي رجعوا كفاراً كما كانوا. قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبيّ ﷺ بعد ما عرفوا نعته عندهم، وبه قال ابن جرير. وقال الضحاك، والسديّ : هم المنافقون قعدوا عن القتال، وهذا أولى لأن السياق في المنافقين :﴿مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى﴾ بما جاءهم به رسول الله ﷺ من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة ﴿الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زيّن لهم خطاياهم وسهل لهم الوقوع فيها، وهذه الجملة خبر «إن »، ومعنى ﴿وأملى لَهُمْ﴾ : أن الشيطان مدّ لهم في الأمل، ووعدهم طول العمر، وقيل : إن الذي أملى لهم هو الله عزّ وجلّ على معنى : أنه لم يعاجلهم بالعقوبة.
قرأ الجمهور ﴿أملى﴾ مبنياً للفاعل، وقرأ أبو عمرو، وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو جعفر، وشيبة على البناء للمفعول. قيل : وعلى هذه القراءة يكون الفاعل هو الله، أو الشيطان كالقراءة الأولى، وقد اختار القول بأن الفاعل الله الفرّاء، والمفضل، والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدّم ذكره قريباً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم بحقو الرحمن، فقال : مه، قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ؟ قال : نعم أترضي أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى. قال : فذلك لك» ؛ ثم قال رسول الله ﷺ :«اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ الآية إلى قوله :﴿أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾».
والأحاديث في صلة الرحم كثيرة جداً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم﴾ قال : هم أهل النفاق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿أَمْ حَسِبَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم﴾ قال : أعمالهم : خبثهم، والحسد الذي في قلوبهم، ثم دلّ الله تعالى النبي ﷺ بعد على المنافقين، فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله :﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾ قال : ببغضهم عليّ بن أبي طالب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى