تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يقول تعالى : ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم (١) عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، ورد السرائر إلى عالمها، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي : فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وفي الحديث :" ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها، إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشر " (٢). وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل، وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد (٣) في أول " شرح البخاري "، بما أغنى عن إعادته ها هنا. وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين. قال الإمام أحمد :
حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، رضي الله عنه، قال : خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :" إن منكم (٤) منافقين، فمن سميت فليقم ". ثم قال :" قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان ". حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال :" إن فيكم - أو : منكم(٥) - فاتقوا الله ". قال : فمر عمر برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه، فقال : ما لك ؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ، فقال : بعدًا لك سائر اليوم(٦).
١ - (٣) في ت: "تعرفهم"..
٢ - (١) سيأتي تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ٢٩ من سورة الفتح..
٣ - (٢) في أ: "النفاق العملي والاعتقادي"..
٤ - (٣) في ت: "فيكم"..
٥ - (٤) في ت: "ومنكم"..
٦ - (٥) المسند (٥/٢٧٣) قال الهيثمي في المجمع (١/١١٢): "فيه عياض بن أبي عياض عن أبيه ولم أر من ترجمهما"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى