اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ من رؤية البصر ؛ وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ولو جاء على أريناك إياهم جاز. وقال ابن الخطيب : الإرَاءَةُ(١) هنا بمعنى التعريف.
قوله :«فَلَعَرَفْتَهُمْ » عطف على جواب «لو » وقوله :«وَلَتَعْرفنَّهُمْ » جواب قسم محذوف.
قال المفسرون : معنى الكلام : لأريناكهم أي لأعلمناكهم وعَرَّفْنَاكَهُمْ فَلَتَعْرِفَنَّهُمْ بِسِيماهُمْ : بعلامتهم. قال الزجاج : المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها(٢). قال «أنس » : فأخفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم(٣).
قوله :﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾ أي في معناه ومقصده. واللحن يقال باعتبارين :
أحدهما : الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك(٤). ومنه قول القَتَّال الكِلاَبي ( رحمه الله )(٥) في حكاية له :
وقال آخر :
واللَّحْنُ : صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ. وقيل يجمعه هو والأول صرف الكلام عن وجهه. يقال من الأول : لَحَنْتُ بفتح الحاء أَلْحَنُ له فَأَنَا لاَحنٌ. وأَلْحَنْتُ الكَلاَمَ أَفْهَمْتُهُ إياه فَلحِنَهُ بالكسر أي فهمه فهو لاحن(١٠). ومنه قول النبي ﷺ :«وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ(١١) بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ »(١٢).
ويقال من الثاني : لَحِنَ بالكسر إذا لم يُعْرب لهو لَحِنٌ.
معنى الآية أنك تعرفهم فيما يُعَرّضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ﷺ إلا عَرَفَهُ بقوله ويستدل بفحوى كلامه على فساد دَخْلَتِهِ. قال ابن الخطيب : معنى الآية لن يُخْرِجَ الله أضغانهم أي يُظْهِرَ ضمائرهم ويُبْرِزَ سرائرهم، وكأن قائلاً قال : فِلمَ لَمْ يُظْهر ؟ فقال : أخرناه لمحْض المشيئة لا لخوف منهم ولو نشاء لأريناكم أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف.
وقوله :«فَلَعَرفتهُمْ » لزيادة فائدة وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزم منه المعرفة يقال : عَرَّفْتُهُ ولَمْ يَعْرِف وفَهَّمْتُهُ ولَمْ يَفْهَمْ فقال ههنا : فَلَعَرَفْتَهُمْ يعني عَرَّفْنَاهُمْ تَعْرِيفاً تعرفهم به إشارة إلى قوة التعريف. واللام في قوله :«فلعرفتهم » هي التي تقع في خبر «لو » كما في قوله :«لأَرَيْنَاكَهُمْ » أدخلت على المعرفة إشارة إلى المعرفة المرتبة على المشيئة كأنه قال : ولو نشاء لعرفتهم لتفهم أنَّ المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف أي لو نشاء لعرفنانك تعريفاً معه المعرفة لا بعده. وقوله :﴿فِي لَحْنِ القول﴾ أي في معنى القول حيث يقولون ما معناه(١٣) النفاق، كقولهم حين مجيء النصر :﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقولهم :﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة﴾ [المنافقون: ٨] وقولهم :﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] ويحتمل أن يكون المراد قولهم ما لم يعتقدوا فأمالوا كلامهم كما قالوا :﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُون﴾ [المنافقون: ١].
ويحتمل أن يكون المراد من لَحْنِ القَوْل هو الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه الصلاة والسلام(١٤) ولا يفهمه ( غيره(١٥). فالنبي عليه ﷺ كان يعرف ) المنافقين ولم يظهر أمرهم، إلى أن أذن الله له في إظهار أمرهم، ومنع من الصلاة على جنائزهم، والقيام على قبورهم.
«بِسيماهُمْ » الظاهر أن المراد أنه تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يسمخهم كما قال :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾(١٦) [يس: ٦٧]. وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافقٌ ثم قال تعالى :﴿والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ وهذا وعد للمؤمنين وبيان لكون حالهم بخلاف حال المنافقين(١٧).
قوله :«فَلَعَرَفْتَهُمْ » عطف على جواب «لو » وقوله :«وَلَتَعْرفنَّهُمْ » جواب قسم محذوف.
قال المفسرون : معنى الكلام : لأريناكهم أي لأعلمناكهم وعَرَّفْنَاكَهُمْ فَلَتَعْرِفَنَّهُمْ بِسِيماهُمْ : بعلامتهم. قال الزجاج : المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها(٢). قال «أنس » : فأخفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم(٣).
قوله :﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾ أي في معناه ومقصده. واللحن يقال باعتبارين :
أحدهما : الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك(٤). ومنه قول القَتَّال الكِلاَبي ( رحمه الله )(٥) في حكاية له :
| ٤٤٨٧ وَلَقَدْ وَحَيْتُ(٦) لكيْمَا تَفَهْمُوا | وَلَحَنْتُ لَحْناً لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ(٧) |
| ٤٤٨٨ وَمَنْطِقٌ صَائِبٌ(٨) وَتَلْحَن أحْيَا | ناً وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا(٩) |
ويقال من الثاني : لَحِنَ بالكسر إذا لم يُعْرب لهو لَحِنٌ.
فصل
معنى الآية أنك تعرفهم فيما يُعَرّضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ﷺ إلا عَرَفَهُ بقوله ويستدل بفحوى كلامه على فساد دَخْلَتِهِ. قال ابن الخطيب : معنى الآية لن يُخْرِجَ الله أضغانهم أي يُظْهِرَ ضمائرهم ويُبْرِزَ سرائرهم، وكأن قائلاً قال : فِلمَ لَمْ يُظْهر ؟ فقال : أخرناه لمحْض المشيئة لا لخوف منهم ولو نشاء لأريناكم أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف.
وقوله :«فَلَعَرفتهُمْ » لزيادة فائدة وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزم منه المعرفة يقال : عَرَّفْتُهُ ولَمْ يَعْرِف وفَهَّمْتُهُ ولَمْ يَفْهَمْ فقال ههنا : فَلَعَرَفْتَهُمْ يعني عَرَّفْنَاهُمْ تَعْرِيفاً تعرفهم به إشارة إلى قوة التعريف. واللام في قوله :«فلعرفتهم » هي التي تقع في خبر «لو » كما في قوله :«لأَرَيْنَاكَهُمْ » أدخلت على المعرفة إشارة إلى المعرفة المرتبة على المشيئة كأنه قال : ولو نشاء لعرفتهم لتفهم أنَّ المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف أي لو نشاء لعرفنانك تعريفاً معه المعرفة لا بعده. وقوله :﴿فِي لَحْنِ القول﴾ أي في معنى القول حيث يقولون ما معناه(١٣) النفاق، كقولهم حين مجيء النصر :﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقولهم :﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة﴾ [المنافقون: ٨] وقولهم :﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] ويحتمل أن يكون المراد قولهم ما لم يعتقدوا فأمالوا كلامهم كما قالوا :﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُون﴾ [المنافقون: ١].
ويحتمل أن يكون المراد من لَحْنِ القَوْل هو الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه الصلاة والسلام(١٤) ولا يفهمه ( غيره(١٥). فالنبي عليه ﷺ كان يعرف ) المنافقين ولم يظهر أمرهم، إلى أن أذن الله له في إظهار أمرهم، ومنع من الصلاة على جنائزهم، والقيام على قبورهم.
«بِسيماهُمْ » الظاهر أن المراد أنه تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يسمخهم كما قال :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾(١٦) [يس: ٦٧]. وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافقٌ ثم قال تعالى :﴿والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ وهذا وعد للمؤمنين وبيان لكون حالهم بخلاف حال المنافقين(١٧).
١ مصدر أرى على زنة أفعل فالأصل (أرأى) انظر الرازي ٢٨/٦٩..
٢ معاني القرآن ٥/١٥..
٣ القرطبي ١٦/٢٥٢..
٤ القرطبي ١٦/٢٥٢..
٥ زيادة من أ..
٦ في اللسان: لحنت باللام..
٧ له من الكامل وشاهده: أن خير الكلام ما عرف بالمعنى ولم يصرح به وانظر اللسان لحن ٤٠١٣ والسراج المنير ٤/٣٣ ومجاز القرآن ٢/٢٥ لحن والكشاف ٣/٥٣٨ وعجزه في الكشاف:
واللحن يعرفه ذوو الألباب
وانظر في مجمع البيان ٩/١٥٩..
٨ في القرطبي: رائع..
٩ من الخفيف لمالك بن أسماء الفزاري وهو وما قبله في القرطبي ١٦/٢٥٢ و٢٥٣.
والشاهد: أن اللحن معناه الفهم للمخاطب لا لغيره. وانظر مجمع البيان ٩/١٥٩ وفتح القدير ٥/٤٠ والنوادر لأبي زيد، واللسان لحن ٤٠١٣..
١٠ اللسان السابق..
١١ أي أفطن وأجدل..
١٢ اللسان السابق والقرطبي ١٦/٢٥٢..
١٣ في الرازي: معناه النفاق كـ "أ" هنا. وفي ب منعنا من المنع..
١٤ في ب: صلى الله عليه وسلم..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ وانظر في هذا كله تفسير العلامة الرازي ٢٨/١٩، ٧٠..
١٧ السابق..
٢ معاني القرآن ٥/١٥..
٣ القرطبي ١٦/٢٥٢..
٤ القرطبي ١٦/٢٥٢..
٥ زيادة من أ..
٦ في اللسان: لحنت باللام..
٧ له من الكامل وشاهده: أن خير الكلام ما عرف بالمعنى ولم يصرح به وانظر اللسان لحن ٤٠١٣ والسراج المنير ٤/٣٣ ومجاز القرآن ٢/٢٥ لحن والكشاف ٣/٥٣٨ وعجزه في الكشاف:
واللحن يعرفه ذوو الألباب
وانظر في مجمع البيان ٩/١٥٩..
٨ في القرطبي: رائع..
٩ من الخفيف لمالك بن أسماء الفزاري وهو وما قبله في القرطبي ١٦/٢٥٢ و٢٥٣.
والشاهد: أن اللحن معناه الفهم للمخاطب لا لغيره. وانظر مجمع البيان ٩/١٥٩ وفتح القدير ٥/٤٠ والنوادر لأبي زيد، واللسان لحن ٤٠١٣..
١٠ اللسان السابق..
١١ أي أفطن وأجدل..
١٢ اللسان السابق والقرطبي ١٦/٢٥٢..
١٣ في الرازي: معناه النفاق كـ "أ" هنا. وفي ب منعنا من المنع..
١٤ في ب: صلى الله عليه وسلم..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ وانظر في هذا كله تفسير العلامة الرازي ٢٨/١٩، ٧٠..
١٧ السابق..