التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾.
والمراد بالإِرادة هنا : التعريف والعلم الذى يقوم مقام الرؤية بالبصر، كما فى قولهم : سأريك يا فلان ماأصنع بك. أى : سأعلمك بذلك.
والفاء فى قوله :﴿فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ لترتيب المعرفة على الإِرادة، والمراد بسيماهم : علاماتهم. يقال : سوم فلان فرسه تسويما، إذا جعل له علامة يتميز بها.
وكررت اللام فى قوله :﴿فَلَعَرَفْتَهُم﴾ للتأكيد.
ولحن القول : أسلوب من أساليبه المائلة عن الطريق المعروفة، كأن يقول للقائل قولا يترك فيه التصريح إلى التعريض والإِبهام، يقال : لَحْنتُ لفلان ألْحَن لَحْنا، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره.
قال الجمل : واللحن يقال على معنيين، أحدهما : الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك - ومنه قول الرسول - ﷺ - لبعض أصحابه فى غزوة الأحزاب : " وإن وجدتموهم - أى : بنى قريظة - على الغدر فالحنوا لى الحنا أعرفه ".
والثانى : صرف الكلام من الإِعراب إلى الخطأ - أى : من النطق السليم إلى النطق الخطأ -.
ويقال من الأول : لحنَتْ - بفتح الحاء - ألحن فأنا لاحن، ويقال من الثانى : لَحِن - بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما - فهو لحن.
والمعنى : ولو نشاء إعلامك وتعريفك - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء المنافقين وبذواتهم وأشخاصهم لفعلنا، لأن قدرتنا لا يعجزها شئ ﴿فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ أى : بعلاماتهم الخاصة بهم، والتى يتميزون بها عن غيرهم.
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ - أيضا - ﴿فِي لَحْنِ القول﴾ أى : ولتعرفنهم بسبب أقوالهم المائلة عن الأساليب المعروفة فى الكلام، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظهرها، وإنما يقصدون أشياء أخرى فيها الإِساءة إليك وإلى أتباعك.
قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ يقول - تعالى - : ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل سبحانه - ذلك فى جميع المنافقين، سترا منه على خلقه.
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾ أى : فيما يبدون من كلامهم الدالة على مقاصدهم. كما عثمان - رضى الله عنه - : ما أسر أحد قال سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وفى الحديث : " ما اسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها ".
وعن أبى مسعود عقبة بن عمرو قال : " خطبنا رسول الله - ﷺ - خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم. ثم قال : قم فلان، قم يا فلان - حتى سمى ستة وثلاثين رجلا - ثم قال : إن فيكم - أو منكم فاتقوا الله " ".
وقوله - سبحانه - :﴿والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ببان لعلمه الشامل - سبحانه - وتهديد لم يجترح السيئات، أى : والله - تالى - يعمل أعمالكم علما تاما كاملا، وسيجازيكم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى