روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
والفاء في قوله تعالى :﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ﴾ لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها فإن ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام أي إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتموهم في المحارب ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ وقال الزمخشري :﴿لَقِيتُمُ﴾ من اللقاء وهو الحرب و ﴿ضُرِبَ﴾ نصب على المصدرية لفعل محذوف والأصل أضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، وحذف الفعل الناصب في مثل ذلك مما أضيف إلى معموله واجب، وهو أحد مواضع يجب فيها الحذف ذكرت في مطولات كتب النحو، وليس منها نحو ضرباً زيداً على ما نص عليه ابن عصفور.
وذكر غير واحد أن فيما ذكر اختصاراً وتأكيداً ولا كلام في الاختصار، وأما التأكيد فظاهر القول به أن المصدر بعد حذف عامله مؤكد، وقال الحمصي في حواشي التصريح : إن المصدر في ذلك مؤكد في الأصل وأما الآن فلا لأنه صار بمنزلة الفعل الذي سد هو مسده فلا يكون مؤكداً بل كل مصدر ثار بدلاً من اللفظ بالفعل لا يكون مؤكداً ولا مبيناً لنوع ولا عدد، و ﴿ضربَ الرقاب﴾ مجاز مرسل عن القتل، وعبر به عنه إشعاراً بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن وتصويراً له بأشنع صورة لأن ضرب الرقبة فيه إطارة الرأس الذي هو أشرف أعضاء البدن ومجمع حواسه وبقاء البدن ملقى على هيئة منكرة والعياذ بالله تعالى، وذكر أن في التعبير المذكور تشجيع المؤمنين وأنهم منهم بحيث يتمكنون من القتل بضرب أعناقهم في الحرب ﴿حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أي أوقعتم القتل بهم بشدة وكثرة على أن ذلك مستعار من ثخن المائعات لمنعه عن الحركة، والمراد حتى إذ أكثرتم قتلهم وتمكنتم من أخذ من لم يقتل ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ أي فأسروهم واحفظوهم، فالشد وكذا ما بعد في حق من أسر منهم بعد اثخانهم لا للمثخن إذ هو بالمعنى السابق لا يشد ولا يمن عليه ولا يفدي لأنه قد قتل أو المعنى حتى إذا أثقلتموهم بالجراح ونحوه بحيث لا يستطيعون النهوض فأسروهم واحفظوهم ؛ فالشد وكذا ما بعد في حق المثخن لأنه بهذا المعنى هو الذي لم يصل إلى حد القتل لكن ثقل عن الحركة فصار كالشيء الثخين الذي لم يسل ولم يستمر في ذهابه، والاثخان عليه مجاز أيضاً، و ﴿الوثاق﴾ في الأصل مصدر كالخلاص وأريد به هنا ما يوثق به. وقرئ ﴿الوثاق﴾ بالكسر وهو اسم لذلك، ومجيء فعال اسم آلة كالحزام والركاب نادر على خلاف القياس، وظاهر كلام البعض أن كلا من المفتوح والمكسور اسم لما يوثق به، ولعل المراد بيان المراد هنا.
﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ أي فاما تمنون منا وإما تفدون فداء، والكلام تفصيل لعاقبة مضمون ما قبله من شد الوثاق، وحذف الفعل الناصب للمصدر في مثل ذلك واجب أيضاً، ومنه قوله :
لأجهدن فاما درء واقعةثخشى وإما بلوغ السؤال والامل
وجوز أبو البقاء كون كل من ﴿مِنَّا﴾ و ﴿فداء﴾ مفعولا به لمحذوف أي أولوهم منا أو أقبلوا منهم فداء، وليس كما قال أبو حيان اعراب نحوي، وقرأ ابن كثير في رواية شبل ﴿وَأَمَّا فدى﴾ بالفتح والقصر كعصا. وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته، قال الشهاب : ولا عبرة به فإن فيه أربع لغات الفتح والكسر مع المد والقصر ولغة خامسة البناء مع الكسر كما حكاه الثقات انتهى، وفي الكشف نقلاً عن الصحاح الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور. ومن العرب من يكسر الهمزة أي يبنيه على الكسر إذا جاور لام الجر خاصة لأنه اسم فعل بمعنى الدعاء، وأنشد الأصمعي بين النابغة :
مهلاً فداء لك *** وهذا الكسر مع التنوين كما صرح به في البحر، وظاهر الآية على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم امتناع القتل بعد الأسر وبه قال الحسن. وأخرج ابن جرير. وابن مردويه عنه أنه قال : أتى الحجاج بأسارى فدفع إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر : ليس بهذا أمرنا إنما قال الله تعالى :﴿حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ وفي حكم الأساري خلاف فذهب الأكثرون إلى أن الإمام بالخيار إن شاء قتلهم إن لم يسلموا لأنه ﷺ قتل صبرا عقبة بن أبي معيط. وطعيمة بن عدى. والنضر بن الحرث التي قالت فيه أخته أبياتاً منها تخاطب النبي ﷺ :
ما كان ضرك لو مننت وربمامن الفتى وهو المغيظ المحنق
وون في قتلهم حسم مادة فسادهم بالكلية، وليس ولحاد من الغزاة أن يقتل أسيراً بنفسه فإن فعل بلا ملجيء كخوف شر الأسير كان للإمام أن يعزره إذا وقع على خلاف مقصوده ولكن لا يضمن شيئاً، وإن شاء استرقهم لأن فيه دفع شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام، وإن شاء تركهم ذمة أحراراً للمسلمين كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه ذلك في أهل السواد الا أسارى مشركي العرب والمرتدين فإنهم لا تقبل منهم جزية ولا يجوز استراقاتهم بل الحكم فيهم إما الإسلام أو السيف، وإن أسلم الأساري بعد الأسر لا يقتلهم لاندفاع شرهم بالإسلام، ولكن يجوز استراقاتهم فإن الإسلام لا ينافي الرق جزاء على الكفر الأصلي وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي غير المشرك من العرب، بخلاف ما لو أسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحراراً لأنه اسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم، ولا يفادي بالاساري في احدى الروايتين عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لما في ذلك من معونة الكفر لأنه يعود الأسير الكافر حرباً علينا، ودفع شر حرابته خيرم ن استنقاذا لمسلم لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين.
والرواية الأخرى عنه أنه يفادي وهو قول محمد. وأبي يوسف. والإمام الشافعي. ومالك. وأحمد إلا بالنساء فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية السير الكبير، قيل : وهو أظهر الروايتين عن الإمام أبي حنيفة، وقال أبو يوسف : تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها، وعند محمد تجوز بكل حال. ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به ولأن حرمته عظيمة وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه ظاهراً المسلم الذي يتخلص منهم لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهراً فيتكافئان وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى فإن فيها زيادة ترجيح.
ثم أنه قد ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ : أخرج مسلم. وأبو داود. والترمذي. وعبد بن حميد. وابن جرير عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين ويحتج لمحمد بما أخرجه مسلم أيضاً عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة قال : خرجنا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه أمره علينا رسول الله ﷺ إلى أن قال فلقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال : يا سلمة هب لي المرأة يعني التي نقله أبو بكر إياها فقلت : يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً، ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال :«يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك » فقلت : هي لك يا رسول الله فوالله ما كشفت لها ثوباً فبعث بها رسول الله ﷺ ففدى بها ناساً من المسلمين أسروا بمكة، ولا يفادي بالأسير إذا أسلم وهو بأيدينا لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه وهو مأمون على إسلامه فيجوز لأنه يفيد تخليص مسلم من غير إضرار بمسلم آخر، وأما المفاداة بمال فلا تجوز في المشهور من مذهب الحنفية لما بين في المفاداة بالمسلمين من ردهم حرباً علينا.
وفي «السير الكبير » أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة، قيل : استدلالاً بأساري بدر فإنه لا شك في احتياج المسلمين بل في شدة حاجتهم إذ ذاك فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال، وأما المن على الأساري وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز عند أبي حنيفة. ومالك. وأحمد، وأجازه الإمام الشافعي لأنه ﷺ من على جماعة من أسرى بدر منهم أبو العاص بن أبي الربيع على ما ذكره ابن إسحق بسنده. وأبو داود من طريقه إلى عائشة لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنائه عليها فلما رأى النبي ﷺ ذلك رق لها رقة شديدة وقال لأصحابه :" إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرنا وتردوا لها الذي لها " ففعلوا ذلك مغتبطين به، ورواه الحاكم وصححه وزاد «وكان النبي ﷺ قد أخذ عليه أن يخلي زينب إليه ففعل » ومن ﷺ على ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن إسلامه، وحديثه في «صحيح مسلم » عن أبي هريرة، ويكفي ما ثبت في «صحيح البخاري » من قوله عليه الصلاة والسلام :" لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتني يعني أساري بدر لتركتهم له " فإنه ﷺ أخبر وهو الصادق المصدوق بأنه يطلقهم لو سأله المطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعاً لمكان العصمة، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعاً.
واستدل أيضاً بالآية التي نحن فيها فإن الله تعالى خير فيها بين المن والفداء، والظاهر أن المراد بالمن الإطلاق مجاناً ؛ وكون المراد المن عليهم بترك القتل وإبقاءهم مسترقين أو تخليتهم لقبول الجزية وكونهم من أهل الذمة خلاف الظاهر، وبعض النفوس يجد طعم الإلاء أحلى من هذا المن.
وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] من سورة براءة فإنه يقتضي عدم جواز المن وكذا عدم جواز الفداء وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المن والفداء إنما كان في قضية بدر وهي سابقة عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو أيضاً قبل السورة.
والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس. وقتادة. والضحاك. ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في «الدر المنثور »، وقال العلامة ابن الهمام : قد يقال إن ذلك يعني ما في سورة براءة في حق غير الأساري بدليل جواز الاسترقاق فيهم فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم، وما ذكره في جواز الاسترقاق ليس على إطلاقه إذ لا يجوز كما علمت استرقاق مشركي العرب ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ أي آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره، قال الأعشى :
وأعددت للحرب أوزارهارماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا
ومن نسج داود موضونةتساق إلى الحرب عيراً فعيرا
وهي في الأصل الأحمال فاستعيرت لما ذكر استعارة تصريحية، ويجوز أن يكون في ﴿الحرب﴾ استعارة مكنية بأن تشبه بإنسان يحمل حملاً على رأسه أو ظهره ويثبت لها ما أثبت تخييلاً، وكلام الشكاف أميل إليه، وقيل : هي أحمال المحارب أضيفت للحرب تجوزاً في النسبة الإضافية وتغليباً لها على الكراع، وإسناد الوضع للحرب مجازي أيضاً وليس بذاك. وعد بعض الأماثل الكلام تمثيلاً، و

تفسير هذه الآية من كتب أخرى