الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله سبحانه :﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب﴾ الآية : قال أَكْثَرُ العلماءِ : إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا :﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ بمثابة قوله هنالك :﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله :﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ مصدر بمعنى الفِعْل، أي : فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد : اقتلوهم بأَيِّ وجه أَمكَنَ ؛ وفي صحيح مسلمٍ عن النبيِّ ﷺ قال :" لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أَبَداً " وفي «صحيح البخاري » عنه ﷺ قال :" مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ ؛ فَتَمَسَّهُ النَّارُ " انتهى.
والأثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى :﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ أي : بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ( مَنًّا ) و ( فِدَاءً ) : مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ.
وقوله :﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ معناه : حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار : الأثقال ؛ ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ :
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَارِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا
واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة : حتى يُسَلِّمَ الجميعُ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر : حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد : حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قال ( ع ) : وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً ؛ وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول : أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أَنَّك تفعله دائماً.
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي : بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور :﴿قَاتَلُواْ﴾ وقرأ عاصم بخلاف عنه :﴿قاتلوا﴾ بفتح القاف والتاء، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ :﴿قاتلوا﴾ بضم القاف وكسر التاء، قال قتادة : نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى