اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾.
قال الزمخشريُّ :«ديَّاراً » من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال : ما بالدار ديار وديور، كقيَّام وقيُّوم، وهو «فَيْعَال » من الدارة أصله :«ديْوَار » ففعل به ما فعل بأصل «سيِّد وميِّت » ولو كان «فَعَّالاً » لكان «دوَّاراً » انتهى.
يعني أنه كان ينبغي أن تصح واوهُ ولا تقلب ياء، وهذا نظير ما تقدم له من البحث في «مُتَحيِّز » وأن أصله :«مُتَحَيْوز » لا «مُتَفعِّل » إذ كان يلزم أن يكون «متحوِّزاً » لأنه من «الحَوْز » ويقال فيه أيضاً :«دَوَّار » نحو «قيَّام وقوَّام ».
وقال مكيٌّ : وأصله «ديْوَار » ثم أدغموا الواو في الياء مثل «ميِّت » أصله «ميْوِت » ثم أدغموا الثاني في الأول، ويجوز أن يكون أبدلوا من الواو ياء، ثم أدغموا الياء الأولى في الثانية.
قال شهاب الدين(١) : قوله أدغموا الثاني في الأول، هذا لا يجوز ؛ إذ القاعدة المستقرة في المتقاربين قلب الأول لا الثاني، ولا يجوز العكسُ إلا شذوذاً أو لضرورة صناعية، أما الشذوذ فكقوله :﴿واذَّكَرَ﴾[يوسف: ٤٥] بالذال المعجمة، و﴿فهل من مُذَّكر﴾[القمر: ١٥] بالذال المعجمة أيضاً وأما الضرورة الصناعية فنحو : امدح هذا، لا تقلب الهاء حاء، لئلا يدغم الأقوى في الأضعف وهذا يعرفه من عانى التصريف، والديار : نازل الدار، يقال : ما بالدار ديار، وقيل : الديار صاحب الدار.
وقال البغويُّ :«الدَّيارُ يعني أحداً يدور في الأرض، فيذهب ويجيء " فعَّال " من الدوران ».
لما أيس نوح - عليه الصلاة والسلام - من أتباعهم إياه دعا عليهم.
قال قتادة : دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾[هود: ٣٦]، فأجاب الله دعوته وأغرق أمته، وهذا كقول النبي ﷺ :«اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكتابِ هَازِم الأحزابِ، اهْزمهُم وزلْزلهُمْ »(٢).
وقيل : سبب دعائه أنَّ رجلاً من قومه حمل ولداً صغيراً على كتفهِ فمرَّ بنوحٍ، فقال : احذر هذا فإنه يضلك، فقال : يا أبتِ، أنزلني فأنزله فرماه فشَجَّه، فحينئذ غضب ودعا عليهم.
وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد : إنَّما قال هذا، حين أخرج اللَّهُ كلَّ مؤمنٍ من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام أمهاتهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة(٣)، وقيل : بسبعين سنة، فأخبر اللَّهُ نوحاً أنهم لا يؤمنون، ولا يلدون مؤمناً كما قال تعالى :﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾[هود: ٣٦]، فحينئذ دعا عليهم نوحٌ، فأجاب اللَّهُ دعاءَ فأهلكهم كلَّهم، ولم يكن فيهم صبي وقت العذابِ، لأن الله تعالى قال :﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل أَغْرَقْنَاهُمْ﴾[الفرقان: ٣٧]. ولم يوجد التكذيب من الأطفال.
قال ابن العربي : دعا نوح على الكافرين أجمعين ودعا النبي ﷺ على من تحزب على المؤمنين وألّبَ عليهم، وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة فأمَّا كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه ؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة وإنما خص النبي ﷺ بالدعاء على عُتبةَ وشَيبَةَ وأصحابه لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم.
قال الزمخشريُّ :«ديَّاراً » من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال : ما بالدار ديار وديور، كقيَّام وقيُّوم، وهو «فَيْعَال » من الدارة أصله :«ديْوَار » ففعل به ما فعل بأصل «سيِّد وميِّت » ولو كان «فَعَّالاً » لكان «دوَّاراً » انتهى.
يعني أنه كان ينبغي أن تصح واوهُ ولا تقلب ياء، وهذا نظير ما تقدم له من البحث في «مُتَحيِّز » وأن أصله :«مُتَحَيْوز » لا «مُتَفعِّل » إذ كان يلزم أن يكون «متحوِّزاً » لأنه من «الحَوْز » ويقال فيه أيضاً :«دَوَّار » نحو «قيَّام وقوَّام ».
وقال مكيٌّ : وأصله «ديْوَار » ثم أدغموا الواو في الياء مثل «ميِّت » أصله «ميْوِت » ثم أدغموا الثاني في الأول، ويجوز أن يكون أبدلوا من الواو ياء، ثم أدغموا الياء الأولى في الثانية.
قال شهاب الدين(١) : قوله أدغموا الثاني في الأول، هذا لا يجوز ؛ إذ القاعدة المستقرة في المتقاربين قلب الأول لا الثاني، ولا يجوز العكسُ إلا شذوذاً أو لضرورة صناعية، أما الشذوذ فكقوله :﴿واذَّكَرَ﴾[يوسف: ٤٥] بالذال المعجمة، و﴿فهل من مُذَّكر﴾[القمر: ١٥] بالذال المعجمة أيضاً وأما الضرورة الصناعية فنحو : امدح هذا، لا تقلب الهاء حاء، لئلا يدغم الأقوى في الأضعف وهذا يعرفه من عانى التصريف، والديار : نازل الدار، يقال : ما بالدار ديار، وقيل : الديار صاحب الدار.
وقال البغويُّ :«الدَّيارُ يعني أحداً يدور في الأرض، فيذهب ويجيء " فعَّال " من الدوران ».
فصل في دعاء نوح على قومه
لما أيس نوح - عليه الصلاة والسلام - من أتباعهم إياه دعا عليهم.
قال قتادة : دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾[هود: ٣٦]، فأجاب الله دعوته وأغرق أمته، وهذا كقول النبي ﷺ :«اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكتابِ هَازِم الأحزابِ، اهْزمهُم وزلْزلهُمْ »(٢).
وقيل : سبب دعائه أنَّ رجلاً من قومه حمل ولداً صغيراً على كتفهِ فمرَّ بنوحٍ، فقال : احذر هذا فإنه يضلك، فقال : يا أبتِ، أنزلني فأنزله فرماه فشَجَّه، فحينئذ غضب ودعا عليهم.
وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد : إنَّما قال هذا، حين أخرج اللَّهُ كلَّ مؤمنٍ من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام أمهاتهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة(٣)، وقيل : بسبعين سنة، فأخبر اللَّهُ نوحاً أنهم لا يؤمنون، ولا يلدون مؤمناً كما قال تعالى :﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾[هود: ٣٦]، فحينئذ دعا عليهم نوحٌ، فأجاب اللَّهُ دعاءَ فأهلكهم كلَّهم، ولم يكن فيهم صبي وقت العذابِ، لأن الله تعالى قال :﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل أَغْرَقْنَاهُمْ﴾[الفرقان: ٣٧]. ولم يوجد التكذيب من الأطفال.
فصل في بيان أنه لا يدعى على كافر معين
قال ابن العربي : دعا نوح على الكافرين أجمعين ودعا النبي ﷺ على من تحزب على المؤمنين وألّبَ عليهم، وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة فأمَّا كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه ؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة وإنما خص النبي ﷺ بالدعاء على عُتبةَ وشَيبَةَ وأصحابه لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٣٨٧..
٢ تقدم..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٢٠١)..
٢ تقدم..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٢٠١)..