التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد هذا العرض البديع لمظاهر قدرة الله - تعالى - فى هذا الكون، ولمظاهر نعمه على خلقه، ساقت السورة الكريمة جانبا من أحوال المكذبين للرسل السابقين. تسلية للرسول - ﷺ - عما أصابه من قومه، فقال - تعالى - :﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ... مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابت من أذى من هؤلاء المشركين الجاحدين المكذبين فقد سبقهم إلى هذا التكذيب والكفر والجود " قوم نوح " - عليه السلام -، فإنهم قد قالوا فى حقه إنه مجنون، كما حكى عنهم ذلك فى قوله - تعالى - :﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وازدجر﴾ وقوله :﴿أَصْحَابُ الرس﴾ معطوف على ما قبله، والرس فى لغة العرب : البئر التى لم تبن بعد بالحجارة، وقيل : هى البئر طلقا.
وللمفسرين فى حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود، بعث الله إليهم واحدا من أنبيائه، فكذبوه ورسوه فى تلك البئر، أى : ألقوا به فيها فأهلكهم - سبحانه - بسبب ذلك.
وقيل : هم الذين قتلوا حبيبا النجار عندما جاء يدعوهم إلى الدين الحق، وكانت تلك البئر بأنطاكية، وبعد قتلهم له ألقوه فيها. وقيل : هم قوم شعيب - عليه السلام -.
واختبار ابن جرير - رحمه الله - أن أصحاب الرسل هم أصحاب الأخدود، الذين جاء الحديث عنهم فى سورة البروج.
والمراد بثمود : قوم صالح - عليه السلام - الذين كذبوه فأهلكهم الله - تعالى -.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى