البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿ق﴾ أيها القريب المقرب من حضرتنا ﴿و﴾ حق ﴿القرآنِ المجيد﴾ إنك لرسول مجيد، أو :﴿ق﴾ أي : وحق القَويّ القريب، والقادر القاهر. وقال مجاهد : هو جبل محيط بالأرض من زمُردة خضراء، وعليه طغى الماء، وخُضرة السماء منه، والسماء مقبّبة عليه، وما أصاب الناس من زمرد فمما تساقط من ذلك الجبل. ورُوي أن ذا القرنين وصل إليه، فخاطبه، وقال : يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله، قال : إن شأن ربنا لَعظيم، وإن ورائي أرضاً ميسرة خمسمائة عام، في عرض خمسمائة عام، من ثلج يحطم بعضه بعضاً، لولا ذلك الثلج لاحترقت من نار جهنم. ه.
﴿والقرآنِ المجيد﴾ أي : ذي المجد والشرف على سائر الكتب، أو : لأنه كلام مجيد، مَن علم معانيه وعمل بما فيه مَجُد عند الله وعند الناس. وجواب القسم محذوف، أي : إنك لرسول نذير، أو : لتُبعثن، بدليل قوله :﴿أئذا متنا. . .﴾ الخ، أو : إنا أنزلناه إليك لِتُنذر به فلم يؤمنوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة :﴿ق﴾ أيها القريب المقرَّب، وحق القرآن المجيد، إنك لحبيب مجيد، رسول من عند الله الملك المجيد، وإن كنت بشراً فنسبتك من البشر كياقوتة بين الحجر، فالبشرية لا تُنافي الخصوصية، بل تجامعها مِنَّةً منه تعالى وفضلاً، على مَن شاء من عباده، فاستبعاد الكفار مجامعة الخصوصية للبشرية كاستبعاد إبليس تفضيل آدم لكونه بشراً من طين، وذلك قياس فاسد، مضاد للنص، وكما استَبعدت الكفرة وجود خصوصية النبوة في البشر، استبعدت الجهلُ خصوصية التربية بالاصطلاح في البشر، بل عجِبوا أن جاءهم منذر منهم، يدل على الله، ويُبين الطريق إليه، قالوا : هذا شيء عجيب :﴿أئذا متنا﴾ بأن ماتت قلوبنا بالغفلة، ﴿وكنا تراباً﴾ أرضيين بشريين، تحيى أرواحنا بمعرفة العيان ؟ ! ذلك رجع بعيد.
قال تعالى :﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ أرض النفوس من أرواحهم، وتهوي بها إلى الحضيض الأسفل، فيجذبها إلى أعلى عليين، إن سبقت عنايتنا، وعندنا كتاب حفيظ يحفظ المراتب والمقامات، فيلتحق كل واحد بما سبق له. بل كذّبوا بالحق، وهو الداعي إلى الحق، لمّا جاءهم في كل زمان، فهم في أمر مريج، تارة يُقرون وجود التربية بالهمّة والحال، وينكرون الاصطلاح، وتارة يُقرون بالجميع، وينكرون تعيينه، أفلم ينظروا إلى سماء القلوب والأرواح، كيف بنيناها، أي : رفعنا قدرها بالعلوم والمعارف، وزيَّنَّاها بأنوار الإيمان والإحسان، وليس فيها خلل، وأرض النفوس مددناها : جعلناها بساطاً للعبودية، وألقينا فيها رواسي أرسيناها بالعقول الصافية الثابتة، لئلا تضطرب عند زلزلات الامتحان، وأنبتنا فيها من كل صنف بهيج، من فنون علم الحكمة والتشريع، تبصرةً وتذكيراً لكل عبدٍ منيبٍ، راجع إلى مولاه، قاصدٍ لمعرفته.
قال القشيري : تبصرةً وذكرى لمَن رجع إلينا في شهود أفعالنا إلى رؤية صفاتنا، ومن شهود صفاتنا إلى شهود ذاتنا. هـ. ونزَّلنا من السماء ماء العلوم اللدينة، كثير البركة والنفع، فأنبتنا به جنات المعارف وحب الحصيد، وهو حب المحبة ؛ لأنه يحصد من القلب محبة ما سوى الله. والنخل باسقات، أي : شجرة المعرفة الكاملة لها طلع نضيد : ثمرة المعرفة وحلاوة الشهود، رزقاً لأرواح العباد، وأحيينا به نفساً ميتة بالغفلة والجهل، كذلك الخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم، أي : مثل هذا الخروج البديع يكون الخروج، وإلا فلا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى