تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
﴿ق والقرءان المجيد﴾ ( ق ) حرف من الحروف الهجائية التي يتركب منها الكلام العربي، وهي كسائر الحروف، ليس لها معنى في حد ذاتها، ومن المعلوم أن القرآن نزل بلسان عربي، وإذا كانت هذه الحروف ليس لها معنى باللسان العربي، فهي كذلك ليس لها معنى في كتاب الله - عز وجل - من حيث المعنى الذاتي لها، وأما بالنسبة للمغزى العظيم الكبير، فلها مغزى عظيم كبير، ألا وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب مع بلاغتهم وفصاحتهم لم يأت بشيء جديد من حروف لم يعرفونها، بل هو بالحروف التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا أن يأتوا بمثله، فدل ذلك على أنه من كلام العزيز الحميد - جل وعلا - ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتدأت بالحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن.
﴿والقرءان المجيد﴾ الواو هنا حرف قسم. أقسم الله تعالى بالقرآن، لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء، وإقسامه هنا بالقرآن إقسام بكلامه، وكلام الله تعالى من صفاته، وقد ذكر أهل العلم - رحمهم الله - أنه يجوز الإقسام بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وأما آياته فلا يُقسم بها إلا إذا قصد الإنسان بالآيات كلماته، كالقرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، وما أشبه ذلك، وأما الآيات الكونية كالشمس والقمر فلا يجوز لنا أن نقسم بها، أما الله - عز وجل - فله أن يقسم بما شاء، والقرآن مأخوذ من قرأ إذا تلي، أو من قرأ إذا جمع، ومنه قرية ؛ لأن الناس يجتمعون فيها، والقرآن يتضمن المعنيين، فهو متلو وهو مجموع أيضاً، ﴿المجيد﴾ أي ذي المجد، وهو العظمة والسلطان المطلق، فالقرآن له عظمة عظيمة، مهيمن مسيطر على جميع الكتب السابقة، حاكم عليها، ليس محكوماً عليه، وهو أيضاً مجيد، به يمجد ويعلو ويظهر من تمسك به، وهذا كقوله تعالى :﴿بل هو قرءان مجيد في لوح محفوظ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى