مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي
عن الكتاب
سورة ق
مكية، خمس وأربعون آية، ثلاثمائة وخمس وتسعون كلمة، ألف وأربعمائة وأربعة وتسعون حرفا
ق. قال ابن عباس: هو جبل أخضر محدق بالدنيا وخضرة السماء منه، وهو قسم أقسم الله به.
قال الرازي: المنقول عن ابن عباس أن «ق» اسم جبل وأما أن المراد في هذا الموضع به ذلك فلا. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) أي العظيم، لأن القرآن عظيم الفائدة، أو لأنه كلام
الله تعالى، أو كثير الكرم، لأن كل من طلب مقصوده من القرآن وجده، فإنه مغنى كل من لاذ به، أو ذي الشرف، فإن من علم معانيه وعمل بما فيه شرف عند الله تعالى وعند الناس. بَلْ عَجِبُوا وهذا إضراب عن جواب القسم المحذوف، أي ما آمن كفار مكة بمحمد والقرآن بل جعلوا كلا منهما عرضة للتعجب، مع كونهما أقرب شيء إلى التلقي بالقبول، وإنما عجبوا من ذلك لكون محمد من جنسهم لا من جنس الملائكة، ولكون القرآن أخبر بالبعث بعد الموت وذلك قوله تعالى.
أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أي عجبوا من أن جاءهم رسول من جنسهم يخوفهم بالنار بعد البعث فقال كفار مكة منهم أبي، وأمية ابنا خلف ومنبه ونبيه ابنا الحجاج هذا أي كون المنذر منا، وكون المنذر به هو البعث بعد الموت أمر يتعجب منه، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً أي أحين نموت ونصير ترابا رميما نبعث ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) أي ذلك الخبر برجوعنا إلى ما كنا عليه بعد موتنا رجع بعيد من الأوهام والإمكان. وقرأ نافع وحفص، وحمزة والكسائي بكسر ميم «متنا». والباقون بالضم قال الله تعالى ردا لاستبعادهم قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أي ما تأكل الأرض من لحومهم وعظامهم فلا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشتتها في الأرض، أي إن الله تعالى عالم بجميع أجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر، وقادر على الجمع والتأليف فليس الرجوع منه ببعيد، وكما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فذلك قوله تعالى:
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) أي حافظ لأجزائهم وأعمالهم بحيث لا ننسى شيئا منها، أي فالعلم
مكية، خمس وأربعون آية، ثلاثمائة وخمس وتسعون كلمة، ألف وأربعمائة وأربعة وتسعون حرفا
ق. قال ابن عباس: هو جبل أخضر محدق بالدنيا وخضرة السماء منه، وهو قسم أقسم الله به.
قال الرازي: المنقول عن ابن عباس أن «ق» اسم جبل وأما أن المراد في هذا الموضع به ذلك فلا. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) أي العظيم، لأن القرآن عظيم الفائدة، أو لأنه كلام
الله تعالى، أو كثير الكرم، لأن كل من طلب مقصوده من القرآن وجده، فإنه مغنى كل من لاذ به، أو ذي الشرف، فإن من علم معانيه وعمل بما فيه شرف عند الله تعالى وعند الناس. بَلْ عَجِبُوا وهذا إضراب عن جواب القسم المحذوف، أي ما آمن كفار مكة بمحمد والقرآن بل جعلوا كلا منهما عرضة للتعجب، مع كونهما أقرب شيء إلى التلقي بالقبول، وإنما عجبوا من ذلك لكون محمد من جنسهم لا من جنس الملائكة، ولكون القرآن أخبر بالبعث بعد الموت وذلك قوله تعالى.
أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أي عجبوا من أن جاءهم رسول من جنسهم يخوفهم بالنار بعد البعث فقال كفار مكة منهم أبي، وأمية ابنا خلف ومنبه ونبيه ابنا الحجاج هذا أي كون المنذر منا، وكون المنذر به هو البعث بعد الموت أمر يتعجب منه، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً أي أحين نموت ونصير ترابا رميما نبعث ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) أي ذلك الخبر برجوعنا إلى ما كنا عليه بعد موتنا رجع بعيد من الأوهام والإمكان. وقرأ نافع وحفص، وحمزة والكسائي بكسر ميم «متنا». والباقون بالضم قال الله تعالى ردا لاستبعادهم قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أي ما تأكل الأرض من لحومهم وعظامهم فلا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشتتها في الأرض، أي إن الله تعالى عالم بجميع أجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر، وقادر على الجمع والتأليف فليس الرجوع منه ببعيد، وكما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم فذلك قوله تعالى:
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) أي حافظ لأجزائهم وأعمالهم بحيث لا ننسى شيئا منها، أي فالعلم
عندي كما يكون في الكتاب أعلم جزءا جزءا وشيئا شيئا، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ أي بالنبوة الثابتة بالمعجزات الباهرة لَمَّا جاءَهُمْ أي حين جاءهم منذر هو محمد صلّى الله عليه وسلّم من غير تأمل وتفكر.
وقرئ «لما جاءهم» بكسر اللام على أن اللام للتوقيت، أي وقت مجيء المنذر إياهم فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)، أي فهم في شأن المنذر في قول مختلف فإنهم تارة يقولون: إنه ساحر، وأخرى شاعر، وأخرى كاهن وأخرى مجنون.
قال الرازي: نقول كان الواجب أن ينتقلوا من الشك إلى الظن بصدقه صلّى الله عليه وسلّم لعلمهم بأمانته واجتنابه الكذب طول عمره بينهم، ومن الظن إلى القطع بصدقه لظهور المعجزات القاهرات على يديه ولسانه، فلما غيّروا الترتيب حصل عليهم المرج ووقع الدرك مع المرج أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ أي أعموا فلم يشاهدوا السماء كل وقت وهي ظاهرة فوق رؤوسهم غير غائبة عنهم، كَيْفَ بَنَيْناها أي رفعناها بغير عمد، وَزَيَّنَّاها بالكواكب وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) أي والحال ليس لها فتوق.
وهذا إشارة إلى وجه الدلالة فالإنسان له أساس وهي العظام التي هي كالدعامة، وله قوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم وليس للسماء فروج، وللإنسان مسام، فتأليف السماء أشد ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق، والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف، والأول أصعب عند الناس وأعجب، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى؟! وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي بسطناها على الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أوتادا لها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) أي من لون حسن في المنظر. وهذا إشارة إلى دليل آخر يدفع قولهم ذلك رجع بعيد وهم قالوا: الإنسان إذا مات وفارقته القوى لا تعود إليه تلك القوى فنقول: الأرض أشد جمودا والله تعالى ينبت فيها أنواع النبات، فكذلك الإنسان تعود إليه الحياة وذكر الله في الأرض ثلاثة أمور، كما ذكر في السماء ثلاثة أمور فكل واحد في مقابلة واحد فالمد في مقابلة البناء وإثبات الرواسي في الأرض في مقابلة ركز الكواكب في السماء وشق الأرض بالإنبات في مقابلة سد الفروج إذا علمت هذا ففي الإنسان أشياء موضوعة وأشياء مرفوعة، وأشياء ثابتة، كالأنف والأذن، وأشياء متحركة كالمقلة واللسان، وأشياء مسدودة الفروج كدور الرأس، وأشياء لها فروج كالمناخر والصماخ والفم. فالقادر على هذه الأضداد في السبع الشداد غير عاجز عن خلق نظيرها في هذه الأجساد. تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) أي خلقنا السماء والأرض تبصيرا وتذكيرا لكل عبد مقبل إلى الله راجع إلى التفكر في بدائع صنائعه، فإن فيهما آيات مستمرة منصوبة على مرور الزمان، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي ونصب الاسمين على المفعول من أجله أو على الحال أي مبصرين ومذكرين. وقرأ زيد بن علي «تبصرة وذكر» برفعهما، أي هي تبصرة
وقرئ «لما جاءهم» بكسر اللام على أن اللام للتوقيت، أي وقت مجيء المنذر إياهم فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)، أي فهم في شأن المنذر في قول مختلف فإنهم تارة يقولون: إنه ساحر، وأخرى شاعر، وأخرى كاهن وأخرى مجنون.
قال الرازي: نقول كان الواجب أن ينتقلوا من الشك إلى الظن بصدقه صلّى الله عليه وسلّم لعلمهم بأمانته واجتنابه الكذب طول عمره بينهم، ومن الظن إلى القطع بصدقه لظهور المعجزات القاهرات على يديه ولسانه، فلما غيّروا الترتيب حصل عليهم المرج ووقع الدرك مع المرج أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ أي أعموا فلم يشاهدوا السماء كل وقت وهي ظاهرة فوق رؤوسهم غير غائبة عنهم، كَيْفَ بَنَيْناها أي رفعناها بغير عمد، وَزَيَّنَّاها بالكواكب وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) أي والحال ليس لها فتوق.
وهذا إشارة إلى وجه الدلالة فالإنسان له أساس وهي العظام التي هي كالدعامة، وله قوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم وليس للسماء فروج، وللإنسان مسام، فتأليف السماء أشد ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق، والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف، والأول أصعب عند الناس وأعجب، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى؟! وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي بسطناها على الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أوتادا لها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) أي من لون حسن في المنظر. وهذا إشارة إلى دليل آخر يدفع قولهم ذلك رجع بعيد وهم قالوا: الإنسان إذا مات وفارقته القوى لا تعود إليه تلك القوى فنقول: الأرض أشد جمودا والله تعالى ينبت فيها أنواع النبات، فكذلك الإنسان تعود إليه الحياة وذكر الله في الأرض ثلاثة أمور، كما ذكر في السماء ثلاثة أمور فكل واحد في مقابلة واحد فالمد في مقابلة البناء وإثبات الرواسي في الأرض في مقابلة ركز الكواكب في السماء وشق الأرض بالإنبات في مقابلة سد الفروج إذا علمت هذا ففي الإنسان أشياء موضوعة وأشياء مرفوعة، وأشياء ثابتة، كالأنف والأذن، وأشياء متحركة كالمقلة واللسان، وأشياء مسدودة الفروج كدور الرأس، وأشياء لها فروج كالمناخر والصماخ والفم. فالقادر على هذه الأضداد في السبع الشداد غير عاجز عن خلق نظيرها في هذه الأجساد. تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) أي خلقنا السماء والأرض تبصيرا وتذكيرا لكل عبد مقبل إلى الله راجع إلى التفكر في بدائع صنائعه، فإن فيهما آيات مستمرة منصوبة على مرور الزمان، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي ونصب الاسمين على المفعول من أجله أو على الحال أي مبصرين ومذكرين. وقرأ زيد بن علي «تبصرة وذكر» برفعهما، أي هي تبصرة