الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿وَنُفِخَ فِى الصور﴾، وسكرة الموت : شدّته الذاهبة بالعقل. والباء في بالحق للتعدية، يعني : وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله. أو حقيقة الأمر وجلية الحال : من سعادة الميت وشقاوته. وقيل : الحق الذي خلق له الإنسان، أن كل نفس ذائقة الموت. ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله :﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي وجاءت ملتبسة بالحق، أي : بحقيقة الأمر. أو بالحكمة والغرض الصحيح، كقوله تعالى :﴿خَلَقَ السموات والأرض بالحق﴾ [الأنعام: ٧٣] وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضي الله عنهما «سكرة الحق بالموت » على إضافة السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له، وأنها حكمة. والباء للتعدية ؛ لأنها سبب زهوق الروح لشدتها، أو لأنّ الموت يعقبها ؛ فكأنها جاءت به. ويجوز أن يكون المعنى : جاءت ومعها الموت. وقيل سكرة الحق سكرة الله، أضيفت إليه تفظيعاً لشأنها وتهويلاً. وقرىء :«سكرات الموت » ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الموت، والخطاب للإنسان في قوله :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [الحجر: ٢٦] على طريق الالتفات. أو إلى الحق والخطاب للفاجر ﴿تَحِيدُ﴾ تنفر وتهرب. وعن بعضهم : أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال : الخطاب لرسول الله ﷺ ؛ فحكاه لصالح بن كيسان فقال : والله ما سنّ عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب، هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال : أخالفهما جميعاً : هو للبر والفاجر ﴿ذَلِكَ يَوْمَ الوعيد﴾ على تقدير حذف المضاف، أي : وقت ذلك يوم الوعيد، والإشارة إلى مصدر نفخ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى