الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿مَّنْ خَشِيَ﴾ : يجز أن يكونَ مجرورَ المحلِّ بدلاً أو بياناً ل " كل ". وقال الزمخشري :" إنه يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً بعد بدل تابعاً لكل " انتهى. يعني أنه بدلٌ مِنْ " كل " بعد أن أُبْدِلَتْ " لكل " مِنْ " للمتقين " ولم يَجْعَلْه بدلاً آخر من نفس " للمتقين " لأنَّه لا يتكرَّرُ البدلُ والمبدلُ منه واحدٌ/. ويجوز أن يكونَ بدلاً عن موصوفِ أَوَّاب وحفيظ، قاله الزمخشري، يعني أن الأصلَ : لكل شخصٍ أوَّابٍ، فيكون " مَنْ خَشِي " بدلاً مِنْ شخص المقدر قال :" ولا يجوزُ أَنْ يكونَ في حُكم أوَّاب وحفيظ لأنَّن " مَنْ " لا يُوْصَفُ بها، ولا يُوْصَفُ مِنْ بين الموصولاتِ إلاَّ ب " الذي ". يعني بقولِه :" في حُكْمِ أوَّاب " أن يُجْعَل " مَنْ " صفةً، وهذا كما قال لا يجوزُ. إلاَّ أنَّ الشيخَ اسْتَدْرَكَ عليه الحصرَ فقال :" بل يوصف بغير " الذي " من الموصولاتِ كوَصْفِهم بما فيه أل الموصولة نحو : الضارب والمضروب، وكوَصْفِهم ب ذو وذات الطائيَّتين نحو قولهم :" بالفضل ذو فَضَّلكم اللَّهُ به والكرامةِ ذاتُ أكرمكم اللَّهُ بَهْ ".
وجَوَّز ابنُ عطية في " مَنْ خَشِي " أَنْ يكونَ نعتاً لِما تقدَّم، وهو مردودٌ بما تقدَّم، ويجوز أَنْ يكونَ يرتفع " مَنْ خَشِي " على خبر ابتداءٍ مضمرٍ، أو يُنْصَبُ بفعلٍ مضمرٍ، وكلاهما على القطع المُشْعِرِ بالمدح، وأن يكونَ مبتدأ خبرُه قولٌ مضمرٌ ناصبٌ لقولِه :" ادْخُلوها " أي : مَنْ خَشِي الرحمنَ يُقال لهم : ادْخُلوها. وحُمِل أولاً على اللفظِ، وفي الثاني على المعنى، وقيل :" مَنْ خَشي " منادى حُذِفُ منه حرفُ النداءِ أي : يا مَنْ خَشِي ادْخلُوها باعتبار الحَمْلَيْن المتقدِّمَيْنِ، وأَنْ تكونَ شرطيةً، وجوابُها محذوفٌ وهو ذلك القولُ، ولكن رُدَّ معه فاءٌ أي : فيقال لهم : و " بالغيب " حالٌ أي : غائباً عنه، فيُحتمل أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما. وقيل : الباءُ للسببية أي : خَشْيةً بسببِ الغيب الذي أَوْعَدَه مِنْ عذابِه. ويجوزُ أَنْ تكونَ صفةً لمصدرِ خشي أي : خَشيَه خَشْيْةً ملتبسةً بالغيب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى