فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
خوّف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أي قبل قريش ومن وافقهم ﴿مّن قَرْنٍ﴾ أي من أمة ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ أي قوة، كعاد وثمود، وغيرهما ﴿فَنَقَّبُواْ فِي البلاد﴾ أي ساروا وتقلبوا فيها وطافوا بقاعها وأصله من النقب، وهو الطريق. قال مجاهد : ضربوا وطافوا. وقال النضر بن شميل : دوّروا، وقال المؤرج : تباعدوا. والأوّل أولى، ومنه قول امرئ القيس :
وقد نقبت في الآفاق حتىرضيت من الغنيمة بالإياب
ومنه قول الحارث بن حلزة :
نقبوا في البلاد من حذر الموت وجالوا في الأرض كل مجال
وقرأ ابن عباس والحسن وأبو العالية وأبو عمرو في رواية :( نَقَبُوا ) بفتح القاف مخففة، والنقب هو : الخرق والطريق في الجبل، وكذا المنقب والمنقبة، كذا قال ابن السكيت، وجمع النقب نقوب. وقرأ السلمي، ويحيى بن يعمر بكسر القاف مشدّدة على الأمر للتهديد : أي طوّفوا فيها وسيروا في جوانبها. وقرأ الباقون بفتح القاف مشدّدة على الماضي ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ أي هل لهم من مهرب يهربون إليه، أو مخلص يتخلصون به من العذاب ؟ قال الزجاج : لم يروا محيصاً من الموت، والمحيص : مصدر حاص عنه يحيص حيصاً وحيوصاً ومحيصاً ومحاصاً وحيصاناً : أي عدل وحاد، والجملة مستأنفة لبيان أنه لا مهرب لهم، وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم مثل من قبلهم من القرون لا يجدون من الموت والعذاب مفرًّا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى