غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت :﴿عالم الغيب﴾ بالرفع : أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس. ﴿علام﴾ بالجر وبناء المبالغة : حمزة وعلي. الباقون ﴿عالم﴾ بالجر وبدون المبالغة. ﴿معاجزين﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿معجزين﴾ بالتشديد ﴿رجز أليم﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في " الجاثية " : ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة. الآخرون : بالجر ﴿إن يشأ يخسف﴾ ﴿أو يسقط﴾ على الغيبة فيهما : حمزة وعلي وخلف. الباقون : بالنون ﴿نخسف بهم﴾ بإدغام الفاء في الباء : علي ﴿كسفاً﴾ بفتح السين : حفص غير الخزاز ﴿والطير﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى : يعقوب غير رويس الآخرون : بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿فضلاً﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿الريح﴾ بالرفع : أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير : ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿الرياح﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً : يزيد. الباقون : موحداً منصوباً ﴿كالجوابي﴾ بالياء في الحالين : ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿عبادي الشكور﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿منساته﴾ بالألف : أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب. وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة. الآخرون : بفتح الهمزة ﴿تبينت الجن﴾ على البناء للمفعول : يعقوب غير زيد ﴿سبأ﴾ غير مصروف : أبو عمرو والبزي ﴿سبأ﴾ بهمزة ساكنة : ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿سبأ﴾ بالألف : ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿مسكنهم﴾ بفتح الكاف : حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿مساكنهم﴾ مجموعة ﴿بجنتيهم﴾ بضم الهاء : سهل ويعقوب ﴿أكل خمط﴾ بضم الكاف والإضافة : أبو عمرو وسهل ويعقوب. الآخرون : بالسكون والتنوين ﴿نجازي﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿إلا الكفور﴾ بالنصب : حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب. الآخرون : بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿الكفور﴾ ﴿ربنا﴾ بالرفع ﴿باعد﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة : سهل. الآخرون :﴿ربنا﴾ بالنصب على النداء ﴿باعد﴾ على الأمر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿بعد﴾ أمراً من التبعيد ﴿صدّق﴾ بالتشديد : عاصم وعلي وخلف. الباقون : بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو " فعلته جهدك ".
الوقوف :﴿في الآخرة﴾ ط ﴿الخبير﴾ ٥ ﴿فيها﴾ ط ﴿الغفور﴾ ٥ ﴿الساعة﴾ ط ﴿لتأتينكم﴾ ٥ لمن قرأ ﴿عالم﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿بالغيب﴾ ج لأن قوله ﴿لا يعزب﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿مبين﴾ ٥ لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿الصالحات﴾ ط ﴿كريم﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿الحق﴾ ج لأن قولهن ﴿ويهدي﴾ عطف على المعنى أي يحق قبوله ويهدي ﴿الحميد﴾ ٥ ﴿ممزق﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ينبئكم﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿جديد﴾ ٥ ج للآية ولاتحاد المقول ﴿جنة﴾ ط ﴿البعيد﴾ ٥ ﴿الأرض﴾ ط ﴿السماء﴾ ط ﴿منيب﴾ ٥ ﴿فضلاً﴾ ط ﴿والطير﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿الحديد﴾ ٥ لا لتعلق " أن " ﴿صالحاً﴾ ط ﴿بصير﴾ ٥ ﴿ورواحها شهر﴾ ط لأن قوله ﴿وأسلنا﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿القطر﴾ ط ﴿ربه﴾ ط ﴿السعير﴾ ٥ ﴿راسيات﴾ ط ﴿شكراً﴾ ط ﴿الشكور﴾ ٥ ﴿منسأته﴾ ٥ ﴿المهين﴾ ٥ ﴿آية﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿وشمال﴾ ط ﴿له﴾ ط أي لكم بلدة ﴿غفور﴾ ٥ ﴿قليل﴾ ٥ ﴿كفروا﴾ ط ﴿الكفور﴾ ٥ ﴿السير﴾ ط ﴿آمنين﴾ ٥ ﴿ممزق﴾ ط ﴿الشكور﴾ ٥ ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿شك﴾ ط ﴿حفيظ﴾ ٥.
ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في " آل عمران ". والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. عن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها. ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه. والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل. وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.
ثم بين بقوله ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة. وانتصب ﴿شكراً﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿اعلموا﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح. وقال جار الله : إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً. قلت : وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي. يروى أن داود عليه السلام جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم : اللهم اجعلني من الأقلين. وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله : عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها. وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك. يروى أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿يعلم ما يلج﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿وما يخرج منها﴾ من الصفات المتولدة منها. ﴿وما ينزل﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿وما يعرج فيها﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة
﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ [الإسراء: ٢٧] ﴿يا جبال أوبي﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿وقدّر في السرد﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ولسليمان﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن. يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح : استو قالت الريح : استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت. كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١] ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين يديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا ﷺ " شيطاني اسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير " ﴿من محاريب﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة. قال جبرائيل عليه السلام : لو دنوت أنملة لاحترقت. ﴿وجفان كالجواب﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿اعملوا آل داود﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه. فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل. فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿تأكل منسأته﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿لقد كان لسبأ﴾ السر ﴿جنتان﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿بلدة طيبة﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ورب غفور﴾ يستر العيوب ﴿فأعرضوا﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿فأرسلنا عليهم سيل﴾ سطوات ﴿العرم﴾ قهرنا ﴿وبدلناهم بجنتيهم﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿جنيتن﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿وهل نجازي﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة. ﴿قرى ظاهرة﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية. وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وأيام الروحانية ﴿آمنين﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد. ﴿وما كان له عليهم من سلطان﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.
الوقوف :﴿في الآخرة﴾ ط ﴿الخبير﴾ ٥ ﴿فيها﴾ ط ﴿الغفور﴾ ٥ ﴿الساعة﴾ ط ﴿لتأتينكم﴾ ٥ لمن قرأ ﴿عالم﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿بالغيب﴾ ج لأن قوله ﴿لا يعزب﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿مبين﴾ ٥ لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿الصالحات﴾ ط ﴿كريم﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿الحق﴾ ج لأن قولهن ﴿ويهدي﴾ عطف على المعنى أي يحق قبوله ويهدي ﴿الحميد﴾ ٥ ﴿ممزق﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ينبئكم﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿جديد﴾ ٥ ج للآية ولاتحاد المقول ﴿جنة﴾ ط ﴿البعيد﴾ ٥ ﴿الأرض﴾ ط ﴿السماء﴾ ط ﴿منيب﴾ ٥ ﴿فضلاً﴾ ط ﴿والطير﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿الحديد﴾ ٥ لا لتعلق " أن " ﴿صالحاً﴾ ط ﴿بصير﴾ ٥ ﴿ورواحها شهر﴾ ط لأن قوله ﴿وأسلنا﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿القطر﴾ ط ﴿ربه﴾ ط ﴿السعير﴾ ٥ ﴿راسيات﴾ ط ﴿شكراً﴾ ط ﴿الشكور﴾ ٥ ﴿منسأته﴾ ٥ ﴿المهين﴾ ٥ ﴿آية﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿وشمال﴾ ط ﴿له﴾ ط أي لكم بلدة ﴿غفور﴾ ٥ ﴿قليل﴾ ٥ ﴿كفروا﴾ ط ﴿الكفور﴾ ٥ ﴿السير﴾ ط ﴿آمنين﴾ ٥ ﴿ممزق﴾ ط ﴿الشكور﴾ ٥ ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿شك﴾ ط ﴿حفيظ﴾ ٥.
ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في " آل عمران ". والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. عن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها. ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه. والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل. وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.
ثم بين بقوله ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة. وانتصب ﴿شكراً﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿اعلموا﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح. وقال جار الله : إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً. قلت : وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي. يروى أن داود عليه السلام جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم : اللهم اجعلني من الأقلين. وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله : عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها. وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك. يروى أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.
﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ [الإسراء: ٢٧] ﴿يا جبال أوبي﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿وقدّر في السرد﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ولسليمان﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن. يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح : استو قالت الريح : استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت. كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١] ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين يديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا ﷺ " شيطاني اسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير " ﴿من محاريب﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة. قال جبرائيل عليه السلام : لو دنوت أنملة لاحترقت. ﴿وجفان كالجواب﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿اعملوا آل داود﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه. فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل. فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿تأكل منسأته﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿لقد كان لسبأ﴾ السر ﴿جنتان﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿بلدة طيبة﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ورب غفور﴾ يستر العيوب ﴿فأعرضوا﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿فأرسلنا عليهم سيل﴾ سطوات ﴿العرم﴾ قهرنا ﴿وبدلناهم بجنتيهم﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿جنيتن﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿وهل نجازي﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة. ﴿قرى ظاهرة﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية. وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وأيام الروحانية ﴿آمنين﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد. ﴿وما كان له عليهم من سلطان﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.