الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى " ﴿يعمل له ما يشاء من محاريب﴾ أي : من كل شيء مشرف.
والمحراب في اللغة كل شيء مشرف مرتفع، وكل موضع شريف، ومنه قيل للموضع الذي يصلي فيه الإمام محراب لأنه يعظم ويشرف ويرفع (١) وقيل : المحراب مقدم كل بيت ومسجد ومصلى (٢).
قال مجاهد : المحاريب في الآية بنيان دون القصور (٣).
وقال قتادة : " محاريب " قصور ومساجد (٤).
قال الضحاك : " محريب " مساجد (٥).
وقال ابن زيد (٦) : محاريب مساكن وقراء قوله :﴿وهو قائم يصلي في المحراب﴾ (٧) أي : في مسكنه وقد تقدم ذكره.
ثم قال :﴿تماثيل﴾ قال مجاهد : تماثيل من نحاس (٨).
وقال الضحاك تماثيل : تماثيل الصور (٩).
وهذا عند أكثر العلماء منسوخ بنهي النبي ﷺ عن عمل الصورة، وتوعده لمن عملها أو اتخذها (١٠)، وكان ذلك صلاح في الدين أنه بعث على الله عز وجل والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها.
وقد قال قوم : عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن المسيح (١١) عليه السلام (١٢).
ثم قال تعالى :﴿وجفان كالجواب﴾ أي كالحياض. كانوا ينحتون له ما يشاء من جفان كالحياض وهو جمع حابية يجبى فيها الماء أي يجمع.
وروى عن مجاهد : ان الجوابي جمع جوبة وهي الحفرة الكبيرة تكون في الجبل يجتمع فيها الماء (١٣).
وقاله أيضا ابن عباس (١٤).
وعنه : كالحياض (١٥).
وهو قول الحسن وقتادة والضحاك (١٦).
وقيل : إنها كانت تعمل له كهيئة الطير.
ثم قال :﴿وقدور راسيات﴾ أي : ثابتات لا تحرك من موضعها لعظمها قال ابن القاسم : قال مالك : " وجفان كالجواب " كالجوبة من الأرض (١٧).
قال : " وقدور راسيات " هي قدور لا تحمل ولا تحرك.
والجوبة من الأرض : الموضع يستنقع فيه الماء (١٨).
قال ابن زيد : قدور أمثال الجبال من عظمها يعمل فيها الطعام لا تحرك ولا تنقل كما قال للجبال راسيات (١٩).
وعن ابن زيد أيضا : أنها قدور من نحاس تكون بفارس.
وقال الضحاك : هي قدور كانت تعمل من الجبال حجارة (٢٠).
ثم قال تعالى :﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ أي : اعملوا لله الشكر، أي من أجل الشكر على نعمه عليكم، فيكون شكرا مفعولا من أجله (٢١).
ويجوز أن يكون مصدرا على معنى : اشكروا له شكرا، وقام " اعملوا " مقام اشكروا (٢٢).
وروي أن النبي ﷺ صعد يوما إلى المنبر قائلا : " اعملوا آل داود شكرا " فقال : ثلاثة من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود : العدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية " (٢٣).
وقال مجاهد : لما قال الله جل ذكره :﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ قال داود لسليمان : إن الله قد ذكر الشكر، فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال : لا أقدر قال : فاكفني صلاة الظهر قال : نعم، فكفاه (٢٤).
قال الزهري : اعملوا آل داود شكرا، قولوا : الحمد لله (٢٥).
وروي أن داود عليه السلام كان قد جزأ الصلاة على أهل بيته وولديه ونسائه وأهله، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود يصلي فعمتهم هذه الآية ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ (٢٦).
وروي أن محراب داود صلى الله عليه كان لا يخلو من مصل، فإذا أراد المصلي حاجة لا يخرج حتى يأتي غيره من آل داود يصلي في المحراب (٢٧).
وقال محمد بن كعب (٢٨) الشكر تقوى الله والعمل بطاعته (٢٩) وقيل : كل عمل من الخير شكر.
وروي أن داود صلى الله عليه قال : إلهي كيف لي أن أشكرك ولا أصل إلى شكرك إلا بمعونتك، فأوحى الله إليه : يا داود، ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني ؟ قال بلى يا رب، قال :[ فإن الرضى بذلك مني شكر ] (٣٠).
ثم قال تعالى :﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ أي : قليل منهم الموحدون المخلصون العمل لله.
وذكر أبو عبيد في كتاب " مواعظ الأنبياء " أنه لما نزل على داود ﴿اعلموا آل داود شكرا﴾ قال داود : يا رب كيف أشكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر، فالنعمة منك والشكر منك، فكيف أطيق شكرك ؟ قال : يا داود الآن عرفتني حق معرفتي (٣١).
قال أبو عبد الرحمن الحبلي (٣٢) : الصلاة شكر والصوم شكر وكل (٣٣) عمل يعمل لله شكر وأفضل الشكر الحمد (٣٤).
قال محمد بن كعب : كل عمل يبتغي به وجه الله فهو شكر (٣٥).
وأجاز أبو حاتم الوقف على " داوود " ويبتدئ ب " شكرا " على معنى أشكروا شكرا (٣٦).
ولا يجوز عند غيره لأن اعملوا قام مقام اشكروا فلا يفرق بينهما (٣٧).
١ انظر: إعراب النحاس ٣/٣٣٦ والجامع للقرطبي ١٤/٢٧١ وجاء في اللسان مادة "حرب" ١/٣٠٥، ٣٠٦ "المحراب صدر البيت وأكرم موضع فيه، والجمع المحاريب... ومحراب المسجد صدره، وأشرف موضع فيه... والمحراب أكرم مجالس الملوك... والمحراب الموضع الذي ينفرد فيه الملك فيتباعد عن الناس".
٢ هو قول الطبري في جامع البيان ٢٢/٧٠.
٣ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٠ والجامع للقرطبي ١٤/٢٧١ وتفسير ابن كثير ٣/٥٢٩ والدر المنثور ٦/٦٧٩ وتفسير مجاهد ٥٥٣.
٤ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٠ والمحرر الوجيز ١٣/١١٦ والجامع للقرطبي ١٤/٢٧١ وتفسير ابن كثير ٣/٥٢٩ والدر المنثور ٦/٦٧٩.
٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٠ والجامع للقرطبي ١٤/٢٧١ وتفسير ابن كثير ٣/٥٢٩ والدر المنثور ٦/٦٧٩ وفتح القدير ٤/٣١٧.
٦ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٠، والمحرر الوجيز ١٣/١١٦، وتفسير ابن كثير ٣/٥٢٩.
٧ آل عمران: آية ٣٩.
٨ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٠ وتفسير ابن كثير ٣/٥٢٩ والدر المنثور ٦/٦٧٩ وتفسير مجاهد ٥٥٣.
٩ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٠ وتفسير ابن كثير ٣/٥٢٩ والدر المنثور ٦/٦٧٩ وتفسير مجاهد ٥٥٣.
١٠ من الأحاديث النبوية الدالة على حرمة عمل الصورة أو اتخاذها قوله صلى الله عليه وسلم: "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين "أخرجه الترميذي في سننه ٤/١٠٣، ٢٧٠٠ وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وأحمد في مسنده ٢/٣٣٦ وكلاهما عن أبي هريرة وقوله أيضا: "إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورين" أخرجه النسائي في سننه ٨/٢١٦ وأحمد في مسنده ١/٣٧٥ وكلاهما عن ابن عباس. وقوله أيضا "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" أخرجه النسائي في سننه من طريق ابن عباس عن أبي طلحة ٨/٢١٢.
١١ مثبت في طرة أ.
١٢ ما قاله مكي عن هذه الجماعة في جواز عمل الصور نقله عنه ابن عطية والقرطبي وأبو حيان وقد ذهبوا كلهم إلى عدم الاعتداد بهذا القول. يقول ابن عطية: "وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه"انظر: المحرر الوجيز ١٣/١١٧ أما القرطبي فبعد أن ننقل كلام مكي ورد ابن عطية على هذه الفرقة قال: "قلت: ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح. وقال قوم قد صح النهي عن النبي ﷺ عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها فنسخ الله بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد فكان الأصلح إزالتها" انظر: الجامع ١٤/٧٢ أما أبو حيان فبعد أن تحدث عن حرمة عمل الصور أو اتخاذها نقل ما حكاه مكي وكذلك النحاس ورد ابن عطية على هذه الجماعة المجيزة لعمل الصور واتخاذها انظر: البحر المحيط ٧/٢٦٥.
١٣ انظر: المحرر الوجيز ١٣/١١٦ والجامع للقرطبي ١٤/٢٧٥.
١٤ انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير تفسير سورة "سبأ" ٦/٢٨.
١٥ انظر: الدر المنثور ٦/٦٧٩.
١٦ انظر: جامع البيان ٢٢/٧١ والمحرر الوجيز ١٣/١١٧ وتفسير ابن كثير ٣/٥٢٩ والدر المنثور ٦/٦٧٩ ـ ٦٨٠.
١٧ انظر: أحكام ابن العربي ٤/١٦٠٢ والبيان والتحصيل لابن رشد ١٧/١١٦ والجامع للقرطبي ١٤/٢٧٥.
١٨ انظر: غريب القرآن لابن المبارك ١٤٥.
١٩ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٢.
٢٠ انظر: الجامع للقرطبي ١٤/٢٧٦.
٢١ انظر: إعراب النحاس ٣/٣٣٦ والبيان لابن الأنباري ٢/٢٧٧.
٢٢ انظر: إعراب النحاس ٣/٣٣٧.
٢٣ انظر: في أحكام الجصاص ٣/٣٧٢ وأحكام ابن العربي ٤/١٦٠٣، وأحكام الكيا الهراسي ٤/٣٥١ والمحرر الوجيز ١٣/١١٨ والجامع للقرطبي ١٤/٢٧٦ والدر المنثور ٦/٦٨١ وقد أشار السيوطي إلى أن هذا الحديث من إخراج ابن المنذر عن عطاء بن يسار وفي رواية أخرى من إخراج ابن مردويه من طريق عطاء بن يسار عن حفصة رضي الله عنها وفي رواية اخرى من إخراج ابن النجار في تاريخه من طريق عطاء بن يسار عن أبي ذر أما القرطبي فقد أشار إلى أنه من إخراج الترمذي الحكيم أبي عبد الله عن عطاء بن يسار.
٢٤ انظر: الجامع للقرطبي ١٤/٢٧٦ والدر المنثور ٦/٦٨٠.
٢٥ انظر: المصدرين السابقين.
٢٦ هو قول ثابت البناني في تفسير ابن كثير ٣/٥٢٩ والدر المنثور ٦/٥٨٠.
٢٧ انظر: المحرر الوجيز ١٣/١١٨ـ١١٩.
٢٨ هو محمد بن كعب بن مسلم بن أسد، أبو حمزة القرظي ثقة عالم له روايات في كتب الحديث توفي سنة ١١٧ وقيل سنة ١٢٠ هـ انظر: حلية الاولياء ٣/٢١٢، ٢٣٨ وصفة الصفوة ٢/١٣٢ وتقريب التهذيب ٢/٢٠٣.
٢٩ انظر: جامع البيان ١٢/٧٢.
٣٠ انطمست بعض الحروف في هذه الجملة وأظن أنها كما أثبتها وقد أورد السيوطي هذه الرواية مطولة ومنسوبة إلى أبي الجلد حيث قال: "قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال: أي رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: أن يا داود، أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال داود عليه السلام: إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر كله ما قضيت حق نعمة واحدة من نعمك علي" انظر: الدر المنثور ٦/٥٨١.
٣١ ورد هذا القول غير منسوب لأبي عبيد في الجامع للقرطبي ١٤/٢٧٦ والدر المنثور ٦/٦٨١ وروح المعاني ٢٢/١٢٠ ولم أعثر على كتاب "مواعظ الأنبياء" لأبي عبيد.
٣٢ هو عبد الله بن يزيد المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي تابعي من الفضلاء روى عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر، وروى عنه جماعة بعثه عمر بن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقه أهلها ويعلمهم أمر دينهم. أخرج له البخاري ومسلم وتوفي سنة ١٠٠ هـ انظر: تقريب التهذيب ١/٤٦٢ ورياض النفوس ١/٩٩.
٣٣ في الأصل: كل.
٣٤ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٢ بمعناه.
٣٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٧٢ بمعناه.
٣٦ انظر: القطع والإئتناف ٥٨٢ والمكتفى ٤٦٤ ومنار الهدى ٢٢٦.
٣٧ انظر: المصادر السابقة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى