فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقبه بحال بعض الجاحدين لها، فقال :﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ المراد بسبأ القبيلة التي هي من أولاد سبأ، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود. قرأ الجمهور ﴿لسبأ﴾ بالجرّ والتنوين على أنه اسم حيّ، أي الحيّ الذين هم أولاد سبأ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( لسبأ ) ممنوع الصرف بتأويل القبيلة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، ويقوّي القراءة الأولى قوله :﴿فِى مساكنهم﴾، ولو كان على تأويل القبيلة لقال في مساكنها، فمما ورد على القراءة الأولى قول الشاعر :
ومما ورد على القراءة الثانية قول الشاعر :
وقرأ قنبل وأبو حيوة والجحدري :( لبسأ ) بإسكان الهمزة، وقرىء بقلبها ألفاً. وقرأ الجمهور ﴿فِى مساكنهم﴾ على الجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ووجه الاختيار : أنها كانت لهم منازل كثيرة، ومساكن متعدّدة. وقرأ حمزة، وحفص بالإفراد مع فتح الكاف. وقرأ الكسائي بالإفراد مع كسرها، وبهذه القراءة قرأ يحيى بن وثاب والأعمش، ووجه الإفراد : أنه مصدر يشمل القليل والكثير، أو اسم مكان، وأريد به معنى الجمع، وهذه المساكن التي كانت لهم هي : التي يقال لها الآن مأرب، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال، ومعنى قوله :﴿ءايَةً﴾ أي علامة دالة على كمال قدرة الله، وبديع صنعه، ثم بين هذه الآية، فقال :﴿جَنَّتَانِ﴾، وارتفاعهما على البدل من آية قاله الفراء، أو على أنهما خبر مبتدأ محذوف قاله الزجاج، أو على أنهما مبتدأ وخبره :﴿عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، واختار هذا الوجه ابن عطية، وفيه أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة من غير مسوّغ، وقرأ ابن أبي عبلة :" جنتين " بالنصب على أنهما خبر ثان، واسمها آية، وهاتان الجنتان كانتا عن يمين واديهم وشماله، قد أحاطتا به من جهتيه، وكانت مساكنهم في الوادي، والآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما، وعلى رأسها المكتل، فيمتلىء من أنواع الفواكه التي تتساقط من غير أن تمسها بيدها. وقال عبد الرحمن بن زيد : إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة، ولا ذباباً ولا برغوثاً، ولا قملة، ولا عقرباً، ولا حية، ولا غير ذلك من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم. قال القشيري : ولم يرد جنتين اثنتين، بل أراد من الجهتين يمنة ويسرة في كل جهة بساتين كثيرة ﴿كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ﴾ أي قيل لهم ذلك، ولم يكن ثم أمر، ولكن المراد تمكينهم من تلك النعم.
وقيل : إنها قالت لهم الملائكة، والمراد بالرزق هو : ثمار الجنتين. وقيل : إنهم خوطبوا بذلك على لسان نبيهم ﴿واشكروا لَهُ﴾ على ما رزقكم من هذه النعم، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه، وجملة ﴿بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ مستأنفة لبيان موجب الشكر. والمعنى : هذه بلدة طيبة لكثرة أشجارها وطيب ثمارها. وقيل معنى كونها طيبة : أنها غير سبخة، وقيل : ليس فيها هوامّ. وقال مجاهد : هي صنعاء. ومعنى ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أن المنعم عليهم ربّ غفور لذنوبهم. قال مقاتل : المعنى وربكم إن شكرتم فيما رزقكم ربّ غفور للذنوب. وقيل : إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقرأ ورش بنصب بلدة، وربّ على المدح، أو على تقدير اسكنوا بلدة، واشكروا رباً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وغيرهم عن فروة بن مسيك المرادي قال : أتيت النبي ﷺ فقلت : يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم ؟ فأذن لي في قتالهم، وأمرني، فلما خرجت من عنده أرسل في أثري فردّني، فقال :«ادع القوم، فمن أسلم منهم، فاقبل منه، ومن لم يسلم، فلا تعجل حتى أحدث إليك»
وأنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل يا رسول الله، وما سبأ : أرض أم امرأة ؟ قال :«ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا : فلخم وجذام وغسان وعاملة ؛ وأما الذين تيامنوا، فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار» فقال رجل : يا رسول الله، وما أنمار ؟ قال :«الذي منهم خثعم، وبجيلة» وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والطبراني وابن عديّ والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بأخصر منه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿سَيْلَ العرم﴾ قال : الشديد. وأخرج ابن جرير عنه قال :﴿سَيْلَ العرم﴾ واد كان باليمن كان يسيل إلى مكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال : الأراك. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ الكفور﴾ قال : تلك المناقشة.
وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم﴾ يعني بين مساكنهم ﴿وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني الأرض المقدّسة ﴿قُرًى ظاهرة﴾ يعني عامرة مخصبة ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير﴾ يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام ﴿سِيرُواْ فِيهَا﴾ إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من المقدّسة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال إبليس : إن آدم خلق من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون خلقاً ضعيفاً، وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء لأحتنكنّ ذرّيته إلاّ قليلاً. قال : فصدّق ظنه عليهم ﴿فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين﴾ قال : هم المؤمنون كلهم.
| الواردون وتيم في ذرى سبأ | قد عضّ أعناقها جلد الجواميس |
| من سبأ الحاضرين مأرب إذ | يبنون من دون مسيله العرما |
وقيل : إنها قالت لهم الملائكة، والمراد بالرزق هو : ثمار الجنتين. وقيل : إنهم خوطبوا بذلك على لسان نبيهم ﴿واشكروا لَهُ﴾ على ما رزقكم من هذه النعم، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه، وجملة ﴿بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ مستأنفة لبيان موجب الشكر. والمعنى : هذه بلدة طيبة لكثرة أشجارها وطيب ثمارها. وقيل معنى كونها طيبة : أنها غير سبخة، وقيل : ليس فيها هوامّ. وقال مجاهد : هي صنعاء. ومعنى ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أن المنعم عليهم ربّ غفور لذنوبهم. قال مقاتل : المعنى وربكم إن شكرتم فيما رزقكم ربّ غفور للذنوب. وقيل : إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقرأ ورش بنصب بلدة، وربّ على المدح، أو على تقدير اسكنوا بلدة، واشكروا رباً.
وأنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل يا رسول الله، وما سبأ : أرض أم امرأة ؟ قال :«ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا : فلخم وجذام وغسان وعاملة ؛ وأما الذين تيامنوا، فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار» فقال رجل : يا رسول الله، وما أنمار ؟ قال :«الذي منهم خثعم، وبجيلة» وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والطبراني وابن عديّ والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بأخصر منه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿سَيْلَ العرم﴾ قال : الشديد. وأخرج ابن جرير عنه قال :﴿سَيْلَ العرم﴾ واد كان باليمن كان يسيل إلى مكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال : الأراك. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ الكفور﴾ قال : تلك المناقشة.
وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر عنه أيضاً في قوله :﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم﴾ يعني بين مساكنهم ﴿وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني الأرض المقدّسة ﴿قُرًى ظاهرة﴾ يعني عامرة مخصبة ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير﴾ يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام ﴿سِيرُواْ فِيهَا﴾ إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من المقدّسة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال إبليس : إن آدم خلق من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون خلقاً ضعيفاً، وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء لأحتنكنّ ذرّيته إلاّ قليلاً. قال : فصدّق ظنه عليهم ﴿فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين﴾ قال : هم المؤمنون كلهم.