جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : لقد كان لولد سبإ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة، على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي كانوا فيها. وسبأ عن رسول الله اسم أبي اليمن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن أبي حيان الكلبي، عن يحيى بن هانىء، عن عروة المراديّ، عن رجل منهم يقال له : فروة بن مسيك، قال : قلت : يا رسول الله أخبرني عن سَبَإٍ ما كان ؟ رجلاً كان أو امرأة، أو جبلاً، أو دوابّ ؟ فقال :«لا، كانَ رَجُلاً مِن العَرَبِ وَلَهُ عَشَرَةُ أوْلادٍ، فَتَيَمّنَ مِنْهُمْ سِتّةٌ، وَتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ، فأمّا الّذِينَ تَيَمّنُوا مِنْهُمْ فِكِنْدَةُ، وحِمْيَرُ، والأزْدُ، والأشْعَرِيّونَ، وَمَذْحِجُ، وأنْمَارُ الّذِينَ مِنْها خَثْعَمٌ وَبُجَيْلَةٌ. وأمّا الّذِينَ تَشاءَمُوا : فَعامِلَةُ، وَجُذَامُ، وَلخْمُ، وَغَسّان ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أُسامة، قال : ثني الحسن بن الحكَم، قال : حدثنا أبو سَبْرة النخَعيّ، عن فروة بن مُسَيْك القُطَيعِيّ، قال : قال رجل : يا رسولَ الله أخبرني عن سَبَإٍ ما هو ؟ أرض أو امرأة ؟ قال :«لَيْسَ بأرْضٍ وَلا امْرأةٍ، وَلَكِنّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الوَلَد، فَتَيامَنَ سِتّةٌ، وَتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ، فأمّا الّذِين تَشاءَمُوا : فَلَخْمٌ، وَجُذَامُ، وَعامِلَةُ، وَغَسّانُ وأمّا الّذِينَ تَيامَنُوا : فَكِنْدَةُ، والأشْعَرِيّونَ، والأزْدُ، وَمَذْحجُ، وحِمْيَر، وأنْمَارُ » فقال رجل : ما أنمار ؟ قال :«الّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبجِيْلَةُ ».
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا العن قزي، قال : أخبرني أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانىء المراديّ، عن أبيه، أو عن عمه «أسباطٌ شكّ » قال : قدم فَرْوة بن مُسَيك على رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله، أخبرني عن سبإٍ، أجبلاً كان أو أرضا ؟ فقال :«لم يكُنْ جَبَلاً وَلا أرْضا، ولَكِنّهُ كان رَجُلاً مِنَ العَرَبِ وَلَدَ عَشَرَةَ قَبائِلَ »، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال :«وأنمار الذين يقولون منهم بجيلة وخثعم ».
فإن كان الأمر كما رُوي عن رسول الله ﷺ، من أن سَبَأ رجل، كان الإجراء فيه وغير الإجراء معتدلين. أما الإجراء فعلى أنه اسم رجل معروف، وأما ترك الإجراء فعلى أنه اسم قبيلة أو أرض. وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله :«فِي مَساكِنِهِمْ » فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين :«في مساكنهم » على الجماع بمعنى منازل آل سبأ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين «فِي مَسْكِنِهِمْ » على التوحيد وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذُكر لي. وقرأ حمزة : مَسْكَنِهِمْ على التوحيد وفتح الكاف.
والصواب من القول في ذلك عندنا : أن كلّ ذلك قراءات متقاربات المعنى، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب.
وقوله : آيَةٌ قد بيّنا معناها قبل. وأما قوله : جَنّتانِ عَن يَمِينٍ وَشِمالٍ فإنه يعني : بستانان كانا بين جبلين، عن يمين من أتاهما وشماله. وكان من صنفهما فيما ذكر لنا ما :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، قال : سمعت قتادة، في قوله : لَقَدْ كانَ لِسَبإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ قال : كانت جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تُخَرْجُ، مِكْتَلُها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فيمتلئ مِكَتلُها، وما مست بيدها، فلما طَغَوا بعث الله عليهم دابة، يقال لها «جُرَذ »، فنقَبت عليهم، فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أَثْل، وشيء من سِدْرٍ قليل.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَقَدْ كانَ لِسَبإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ. . . إلى قوله : فَأَعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ قال : ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذُباب، ولا بُرْغوث، ولا عَقْرب، ولا حَية، وإنْ كان الركبُ ليأتون وفي ثيابهم القُمّل والدّوابّ، فما هم إلا أن ينظروا إلى بيوتهم، فتموتَ الدوابّ، قال : وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القُفّة على رأسه، فيخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة ولم يتناول منها شيئا بيده قال : والسّدّ يسقيها.
ورُفعت الجنتان في قوله : جَنّتانِ عنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ترجمة عن الآية، لأن معنى الكلام : لقد كان لسبأ في مسكنهم آية هي جنتان عن أيمانهم وشمائلهم.
وقوله : كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبّكُمْ الذي يرزقكم من هاتين الجنتين من زروعهما وأثمارهما، وَاشْكُرُوا لَهُ على ما أنعم به عليكم من رزقه ذلك وإلى هذا منتهى الخبر، ثم ابتدأ الخبر عن البلدة، فقيل : هذه بلدة طيبة : أي ليست بسبخة، ولكنها كما ذكرنا من صفتها عن عبد الرحمن بن زيد أن كانت كما وصفها به ابن زيد، من أنه لم يكن فيها شيء مؤذ، الهمج والدبيب والهوامّ وَرَبّ غَفُورٌ يقول : وربّ غفور لذنوبكم إن أنتم أطعتموه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ وربكم غفور لذنوبكم، قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره: لقد كان لولد سبأ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي كانوا فيها.
وسبأ عن رسول الله اسم أَبي اليمن.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أَبو كريب قال ثنا وكيع عن أَبي حيان الكلبي عن يحيى بن هانىء عن عروة المرادي عن رجل منهم يقال له: فروة بن مسيك قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما كان؟ رجلا كان أو امرأة، أو جبلا أو دواب؟ فقال: "لا كان رجلا من العرب وله عشرة أولاد؛ فتيمن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيمنوا منهم فكندة وحمير والأزد والأشعريون ومذحج وأنمار الذين منها خثعم وبُجَيلة، وأما الذين تشاءموا؛ فعاملة وجُذام ولخم وغسَّان".
حدثنا أَبو كريب قال ثنا أَبو أسامة قال ثني الحسن بن الحكم قال ثنا أبو سَبْرة النخَعي عن فروة بن مسيك القُطَيْعي قال: قال رجل يا رسول الله: أخبرني عن سبأ ما هو؟ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولَدَ عشرة من الولد؛ فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجُذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمار"، فقال رجل: ما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة".
حدثنا أَبو كريب قال ثنا العَنْقزي قال أخبرنى أسباط بن نصر عن يحيى بن هانىء المرادي عن أبيه أو عن عمه (أسباطٌ شك) قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رسول الله أخبرني عن سبأ أجبلا كان أو أرضًا؟ فقال: "لم يكن جبلا ولا أرضًا ولكنه كان رجلا من العرب
واختلفت القراء في قراءة قوله (فِي مسكنهم) فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين (فِي مِسِاكِنِهِمْ) على الجماع، بمعنى منازل آل سبأ. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين (فِي مَسْكِنِهِمْ) على التوحيد، وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذكر لي. وقرأ حمزة (مَسْكَنِهِمْ) على التوحيد وفتح الكاف.
والصواب من القول في ذلك عندنا: أن كل ذلك قراءات متقاربات المعنى، فبأي ذلك قرأ القارىء فمصيب.
وقوله (آيَةٌ) قد بينا معناها قبل.
وأما قوله (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) فإنه يعني: بستانان كانا بين جبلين، عن يمين من أتاهما وشماله.
وكان من صنفهما فيما ذُكر لنا ما حدثنا محمد بن بشار قال ثنا سليمان قال ثنا أَبو هلال قال سمعت قتادة في قوله (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) قال: كانت جنتان بين جبلين فكانت المرأة تخرج مكتلها على رأسها فتمشي بين جبلين، فيمتلىء مكتلها، وما مست بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة، يقال لها "جُرَذ" فنقبت عليهم فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أَثْل، وشيء من سدر قليل.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ... ) إلى قوله (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) قال: ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة