محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥ من سورة سبأ في ١٠٧ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥ من سورة سبأ

١٠٧ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : لقد كان لولد سبإ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة، على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي كانوا فيها. وسبأ عن رسول الله اسم أبي اليمن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن أبي حيان الكلبي، عن يحيى بن هانىء، عن عروة المراديّ، عن رجل منهم يقال له : فروة بن مسيك، قال : قلت : يا رسول الله أخبرني عن سَبَإٍ ما كان ؟ رجلاً كان أو امرأة، أو جبلاً، أو دوابّ ؟ فقال :«لا، كانَ رَجُلاً مِن العَرَبِ وَلَهُ عَشَرَةُ أوْلادٍ، فَتَيَمّنَ مِنْهُمْ سِتّةٌ، وَتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ، فأمّا الّذِينَ تَيَمّنُوا مِنْهُمْ فِكِنْدَةُ، وحِمْيَرُ، والأزْدُ، والأشْعَرِيّونَ، وَمَذْحِجُ، وأنْمَارُ الّذِينَ مِنْها خَثْعَمٌ وَبُجَيْلَةٌ. وأمّا الّذِينَ تَشاءَمُوا : فَعامِلَةُ، وَجُذَامُ، وَلخْمُ، وَغَسّان ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أُسامة، قال : ثني الحسن بن الحكَم، قال : حدثنا أبو سَبْرة النخَعيّ، عن فروة بن مُسَيْك القُطَيعِيّ، قال : قال رجل : يا رسولَ الله أخبرني عن سَبَإٍ ما هو ؟ أرض أو امرأة ؟ قال :«لَيْسَ بأرْضٍ وَلا امْرأةٍ، وَلَكِنّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الوَلَد، فَتَيامَنَ سِتّةٌ، وَتَشاءَمَ أرْبَعَةٌ، فأمّا الّذِين تَشاءَمُوا : فَلَخْمٌ، وَجُذَامُ، وَعامِلَةُ، وَغَسّانُ وأمّا الّذِينَ تَيامَنُوا : فَكِنْدَةُ، والأشْعَرِيّونَ، والأزْدُ، وَمَذْحجُ، وحِمْيَر، وأنْمَارُ » فقال رجل : ما أنمار ؟ قال :«الّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبجِيْلَةُ ».
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا العن قزي، قال : أخبرني أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانىء المراديّ، عن أبيه، أو عن عمه «أسباطٌ شكّ » قال : قدم فَرْوة بن مُسَيك على رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله، أخبرني عن سبإٍ، أجبلاً كان أو أرضا ؟ فقال :«لم يكُنْ جَبَلاً وَلا أرْضا، ولَكِنّهُ كان رَجُلاً مِنَ العَرَبِ وَلَدَ عَشَرَةَ قَبائِلَ »، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال :«وأنمار الذين يقولون منهم بجيلة وخثعم ».
فإن كان الأمر كما رُوي عن رسول الله ﷺ، من أن سَبَأ رجل، كان الإجراء فيه وغير الإجراء معتدلين. أما الإجراء فعلى أنه اسم رجل معروف، وأما ترك الإجراء فعلى أنه اسم قبيلة أو أرض. وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله :«فِي مَساكِنِهِمْ » فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين :«في مساكنهم » على الجماع بمعنى منازل آل سبأ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين «فِي مَسْكِنِهِمْ » على التوحيد وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذُكر لي. وقرأ حمزة : مَسْكَنِهِمْ على التوحيد وفتح الكاف.
والصواب من القول في ذلك عندنا : أن كلّ ذلك قراءات متقاربات المعنى، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب.
وقوله : آيَةٌ قد بيّنا معناها قبل. وأما قوله : جَنّتانِ عَن يَمِينٍ وَشِمالٍ فإنه يعني : بستانان كانا بين جبلين، عن يمين من أتاهما وشماله. وكان من صنفهما فيما ذكر لنا ما :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، قال : سمعت قتادة، في قوله : لَقَدْ كانَ لِسَبإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ قال : كانت جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تُخَرْجُ، مِكْتَلُها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فيمتلئ مِكَتلُها، وما مست بيدها، فلما طَغَوا بعث الله عليهم دابة، يقال لها «جُرَذ »، فنقَبت عليهم، فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أَثْل، وشيء من سِدْرٍ قليل.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَقَدْ كانَ لِسَبإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ. . . إلى قوله : فَأَعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ قال : ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذُباب، ولا بُرْغوث، ولا عَقْرب، ولا حَية، وإنْ كان الركبُ ليأتون وفي ثيابهم القُمّل والدّوابّ، فما هم إلا أن ينظروا إلى بيوتهم، فتموتَ الدوابّ، قال : وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القُفّة على رأسه، فيخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة ولم يتناول منها شيئا بيده قال : والسّدّ يسقيها.
ورُفعت الجنتان في قوله : جَنّتانِ عنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ترجمة عن الآية، لأن معنى الكلام : لقد كان لسبأ في مسكنهم آية هي جنتان عن أيمانهم وشمائلهم.
وقوله : كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبّكُمْ الذي يرزقكم من هاتين الجنتين من زروعهما وأثمارهما، وَاشْكُرُوا لَهُ على ما أنعم به عليكم من رزقه ذلك وإلى هذا منتهى الخبر، ثم ابتدأ الخبر عن البلدة، فقيل : هذه بلدة طيبة : أي ليست بسبخة، ولكنها كما ذكرنا من صفتها عن عبد الرحمن بن زيد أن كانت كما وصفها به ابن زيد، من أنه لم يكن فيها شيء مؤذ، الهمج والدبيب والهوامّ وَرَبّ غَفُورٌ يقول : وربّ غفور لذنوبكم إن أنتم أطعتموه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ وربكم غفور لذنوبكم، قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾
يقول تعالى ذكره: لقد كان لولد سبأ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي كانوا فيها.
وسبأ عن رسول الله اسم أَبي اليمن.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أَبو كريب قال ثنا وكيع عن أَبي حيان الكلبي عن يحيى بن هانىء عن عروة المرادي عن رجل منهم يقال له: فروة بن مسيك قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما كان؟ رجلا كان أو امرأة، أو جبلا أو دواب؟ فقال: "لا كان رجلا من العرب وله عشرة أولاد؛ فتيمن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيمنوا منهم فكندة وحمير والأزد والأشعريون ومذحج وأنمار الذين منها خثعم وبُجَيلة، وأما الذين تشاءموا؛ فعاملة وجُذام ولخم وغسَّان".
حدثنا أَبو كريب قال ثنا أَبو أسامة قال ثني الحسن بن الحكم قال ثنا أبو سَبْرة النخَعي عن فروة بن مسيك القُطَيْعي قال: قال رجل يا رسول الله: أخبرني عن سبأ ما هو؟ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولَدَ عشرة من الولد؛ فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجُذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمار"، فقال رجل: ما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة".
حدثنا أَبو كريب قال ثنا العَنْقزي قال أخبرنى أسباط بن نصر عن يحيى بن هانىء المرادي عن أبيه أو عن عمه (أسباطٌ شك) قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رسول الله أخبرني عن سبأ أجبلا كان أو أرضًا؟ فقال: "لم يكن جبلا ولا أرضًا ولكنه كان رجلا من العرب
ولد عشرة قبائل ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: "وأنمار الذين يقولون منهم بجيلة وخثعم". فإن كان الأمر كما روي عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أن سبأ رجل، كان الإجراء فيه وغير الإجراء معتدلين، أما الإجراء فعلى أنه اسم رجل معروف، وأما ترك الإجراء فعلى أنه اسم قبيلة أو أرض. وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء.
واختلفت القراء في قراءة قوله (فِي مسكنهم) فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين (فِي مِسِاكِنِهِمْ) على الجماع، بمعنى منازل آل سبأ. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين (فِي مَسْكِنِهِمْ) على التوحيد، وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذكر لي. وقرأ حمزة (مَسْكَنِهِمْ) على التوحيد وفتح الكاف.
والصواب من القول في ذلك عندنا: أن كل ذلك قراءات متقاربات المعنى، فبأي ذلك قرأ القارىء فمصيب.
وقوله (آيَةٌ) قد بينا معناها قبل.
وأما قوله (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) فإنه يعني: بستانان كانا بين جبلين، عن يمين من أتاهما وشماله.
وكان من صنفهما فيما ذُكر لنا ما حدثنا محمد بن بشار قال ثنا سليمان قال ثنا أَبو هلال قال سمعت قتادة في قوله (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) قال: كانت جنتان بين جبلين فكانت المرأة تخرج مكتلها على رأسها فتمشي بين جبلين، فيمتلىء مكتلها، وما مست بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة، يقال لها "جُرَذ" فنقبت عليهم فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أَثْل، وشيء من سدر قليل.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ... ) إلى قوله (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) قال: ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس - صاحبة سليمان - منهم(١)، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه(٢) بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
قال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عبد الله بن هُبَيْرة، عن عبد الرحمن بن وَعْلة قال : سمعت ابن عباس يقول(٣) : إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ : ما هو ؟ رجل(٤) أم امرأة أم أرض ؟ قال :«بل هو رجل، ولد عَشَرة(٥)، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون : فَمَذْحِجُ، وكِنْدَةُ، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير. وأما الشامية فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان ».
ورواه عَبد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لَهِيعة، به(٦). وهذا إسناد(٧) حسن، ولم يخرجوه، [ وقد روي من طرق متعددة ](٨). وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب " القصد والأمَمْ، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم "، من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة، عن ابن عباس فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر.
وقال [ الإمام ] أحمد(٩) أيضا وعبد بن حميد : حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جَنَاب يحيى بن أبي حيَّة الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عُرْوَة، عن فروة بن مُسيَك قال : أتيت رسول الله ﷺ فقلت : يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي مدبرهم ؟ قال :" نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم ". فلما وليت دعاني فقال :" لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام ". فقلت : يا رسول الله، أرأيت سبأ ؛ أواد هو، أو رجل(١٠)، أو ما هو ؟ قال :" [ لا ](١١)، بل رجل من العرب، ولد له عشرة فَتَيَامَنَ ستة وتشاءم أربعة، تيامن الأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم : بجيلة وخثعم. وتشاءم لخم، وجذام، وعاملة، وغسَّان ".
وهذا أيضًا إسناد جيد(١٢) وإن كان فيه أبو جَنَاب الكلبي، وقد تكلموا فيه(١٣). لكن رواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن العَنْقَزِي(١٤)، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه - يشك أسباط - قال : قدم فروة بن مُسَيك على رسول الله ﷺ، فذكره. (١٥)
طريق أخرى لهذا الحديث : قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نَمر(١٦)، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال : كنا عند عبيدة(١٧) بن عبد الرحمن بأفريقية فقال يومًا : ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها. فقال علي بن رباح : كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مُسَيك الغُطَيفي(١٨) قدم على رسول الله ﷺ فقال : يا رسول(١٩) الله، إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدّوا عن الإسلام، أفأقاتلهم ؟ فقال :" ما أمرت فيهم بشيء بعد ". فأنزلت هذه الآية :﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ الآيات، فقال له رجل : يا رسول الله، ما سبأ ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله : أن رسول الله ﷺ سُئل عن سبأ : ما هو ؟ أبلد، أم رجل، أم امرأة ؟ قال :" بل رجل، وَلَد له عَشَرَة فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون : فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير غير ما حلها. وأما الشام : فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة ".
فيه غرابة من حيث ذكر [ نزول ](٢٠) الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله(٢١) أعلم.
طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو أسامة، حدثني الحسن بن الحكم، حدثنا أبو(٢٢) سَبْرَة النَّخَعِي، عن فَرْوَة بن مُسَيْك الغُطَيْفي(٢٣) قال : قال رجل : يا رسول الله، أخبرني عن سبأ : ما هو ؟ أرض، أم امرأة ؟ قال :" ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا : فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا : فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار ". فقال رجل : ما أنمار ؟ قال :" الذين منهم خثعم وبجيلة ".
ورواه الترمذي في جامعه، عن أبي كُرَيْب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة، فذكره أبسط من هذا، ثم قال : هذا حديث حسن غريب. (٢٤)
وقال أبو عمر بن عبد البر : حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير - هو عثمان بن كثير - عن الليث بن سعد، عن موسى بن على، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري ؛ أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحَسّن. (٢٥)
قال علماء النسب، منهم محمد بن إسحاق : اسم سبأ : عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له : الرائش ؛ لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال : ريشا ورياشا. وذكروا أنه بشَّر برسول الله ﷺ في زمانه(٢٦) المتقدم، وقال في ذلك شعرًا :
سَيَمْلِكُ بَعْدَنَا مُلْكًا عَظيمًانَبيّ لا يُرَخِّصُ في الحَرَام
وَيَْملك بَعْدَه منْهُم مُلُوكيدينوه العبادَ بغَير ذام
ويَملك بَعدهم منا مُلُوكيَصير المُلك فينَا باقْتسَام
وَيَمْلك بَعَْد قَحْطَان نَبيتَقي خَبْتَة خير الأنام
وسُميَ أحْمَدًا يَا لَيْتَ أنيأُعَمَّرُ بَعْد مَبْعَثه بعام
فأعضُده وأَحْبوه بنَصْريبكُل مُدَجّج وبكُل رام
متى يَظْهَرْ فَكُونُوا نَاصريهوَمَنْ يَلْقَاهُ يُبْلغه سَلامي
ذكر ذلك الهمداني في كتاب " الإكليل ".
واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث(٢٧) طرائق.
والثاني : أنه من سلالة عَابَر، وهو هود، عليه الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضًا.
والثالث : أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النَّمري، رحمه الله، في كتابه [ المسمى ](٢٨) :" الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة " (٢٩).
ومعنى قوله عليه السلام :«كان رجلا من العرب » يعني : العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل، عليه السلام، من سلالة سام بن نوح. وعلى القول الثالث : كان من سلالة الخليل، عليه السلام، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري : أن رسول الله ﷺ مرَّ بنفر من " أسلَمَ " ينتضلون، فقال :«ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا »(٣٠). فأسلم قبيلة من الأنصار، والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ، نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد، حين بعث الله عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما(٣١) قيل لهم : غَسَّان بماء نزلوا عليه قيلَ : باليمن. وقيل : إنه قريب من المُشَلَّل(٣٢)، كما قال حسان بن ثابت :
إمَّا سَألت فَإنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌالأزْدُ نِسْبَتُنَا، والماء غَسَّانُ(٣٣)
ومعنى قوله :" ولد له عشرة من العرب " أي : كان(٣٤) من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من(٣٥) كتب النسب.
ومعنى قوله :" فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة " أي : بعد ما أرسل الله عليهم سيل العرم، منهم مَنْ أقام ببلادهم، ومنهم مَنْ نزح عنها إلى غيرها، وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعَمَدَ ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدًا عظيما محكما حتى ارتفع الماء، وحُكمَ على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، منهم قتادة : أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف(٣٦) فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قُطَّاف، لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب : بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب.
وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم، ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تعالى :﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾، ثم فسرها بقوله :﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أي : من ناحيتي الجبلين والبلدة بين(٣٧) ذلك، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي : غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.
٣ - في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس قال"..
٤ - في ت، س: "أرجل"..
٥ - في أ: "ولد له عشرة"..
٦ - المسند (١/٣١٦)..
٧ - في ت: "وإسناده"..
٨ - زيادة من ت..
٩ - زيادة من ت، س، أ..
١٠ - في أ: "أم جبل"..
١١ - زيادة من أ..
١٢ - في أ: "حسن"..
١٣ - ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/١٧٨) وليس في المطبوع من المسند..
١٤ - في أ: "العبقري"..
١٥ - تفسير الطبري (٢٢/٥٣)..
١٦ - في س، أ: "نمير"..
١٧ - في أ: "عبدة"..
١٨ - في أ: "القطيعي"..
١٩ - في س، أ: "يا نبي"..
٢٠ - زيادة من أ..
٢١ - في س: "فالله"..
٢٢ - في أ: "ابن"..
٢٣ - في أ: "القطيعي"..
٢٤ - تفسير الطبري (٢٢/٥٣) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٢)..
٢٥ - القصد والأمم ص (٢٠)..
٢٦ - في ت، أ: "الزمان"..
٢٧ - في أ: "ثلاثة"..
٢٨ - زيادة من أ..
٢٩ - في ت: "بالرواة"..
٣٠ - صحيح البخاري برقم (٣٥٠٧) من حديث سلمة، رضي الله عنه..
٣١ - في ت: "وإن"..
٣٢ - في ت: "المسلك" وفي أ: "المسكن"..
٣٣ - البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/١٠)..
٣٤ - في ت: "كانوا"..
٣٥ - في ت: "في"..
٣٦ - في ت: "يحترق"..
٣٧ - في أ: "من"..

كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس - صاحبة سليمان - منهم(١)، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه(٢) بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ (١٧)﴾.
كَانَتْ سَبَأٌ ملوكَ الْيَمَنِ وَأَهْلَهَا، وَكَانَتِ التَّبَابِعَةُ مِنْهُمْ، وَبِلْقِيسُ -صَاحِبَةُ سُلَيْمَانَ-مِنْهُمْ (١)، وَكَانُوا فِي نِعْمَةٍ وَغِبْطَةٍ فِي بِلَادِهِمْ، وَعَيْشِهِمْ وَاتِّسَاعِ أَرْزَاقِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ. وَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ تَأْمُرُهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَيَشْكُرُوهُ (٢) بِتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَعْرَضُوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ، فَعُوقِبُوا بِإِرْسَالِ السَّيْلِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبِلَادِ أَيْدِيَ سَبَأٍ، شَذَرَ مَذرَ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَبَيَانُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرة، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلة قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ (٣) : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبَأٍ: مَا هُوَ؟ رَجُلٌ (٤) أَمِ امْرَأَةٌ أَمْ أَرْضٌ؟ قَالَ: "بَلْ هُوَ رَجُلٌ، وَلَدَ عَشَرة (٥)، فَسَكَنَ الْيَمَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَبِالشَّامِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَأَمَّا الْيَمَانِيُّونَ: فَمَذْحِجُ، وكِنْدَةُ، وَالْأَزْدُ، وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَأَنْمَارٌ، وَحِمْيَرُ. وَأَمَّا الشَّامِيَّةُ فَلَخْمُ، وَجُذَامُ، وَعَامِلَةُ، وَغَسَّانُ.
وَرَوَاهُ عَبد، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ لَهِيعة، بِهِ (٦). وَهَذَا إِسْنَادٌ (٧) حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِّجُوهُ، [وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ] (٨). وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ "الْقَصْدِ والأمَمْ، بِمَعْرِفَةِ أُصُولِ أَنْسَابِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ"، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَقَالَ [الْإِمَامُ] أَحْمَدُ (٩) أَيْضًا وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَنَاب يَحْيَى بْنُ أَبِي حيَّة الْكَلْبِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسيَك قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَلَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُ بِمُقْبِلِ قَوْمِي مُدْبِرَهُمْ؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَقَاتِلْ بِمُقْبِلِ قَوْمِكَ مُدْبِرَهُمْ". فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: "لَا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى تَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ سَبَأً؛ أَوَادٍ هُوَ، أَوْ رَجُلٌ (١٠)، أَوْ مَا هُوَ؟ قَالَ: " [لَا] (١١)، بَلْ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، وُلِدَ لَهُ عَشْرَةٌ فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ، تَيَامَنَ الْأَزْدُ، وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَحِمْيَرُ، وَكِنْدَةُ، وَمَذْحِجُ، وَأَنْمَارُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ: بَجِيلَةُ وَخَثْعَمُ. وَتَشَاءَمَ لَخْمٌ، وَجُذَامٌ، وَعَامِلَةُ، وغسَّان".
وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ (١٢) وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَبُو جَنَاب الْكَلْبِيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ (١٣). لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ العَنْقَزِي (١٤)، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ الْمُرَادِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَوْ عَنْ أَبِيهِ -يَشُكُّ أَسْبَاطٌ-قَالَ: قَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيك عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَهُ. (١٥)
طَرِيقٌ أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عبد الأعلى، حدثنا ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ تَوْبَةَ بْنِ نَمر (١٦)، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ أخبره قال: كنا عند عبيدة (١٧)
(١) في ت، س، أ: "من جملتهم".
(٢) في أ: "ويشكروا له".
(٣) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس قال".
(٤) في ت، س: "أرجل".
(٥) في أ: "ولد له عشرة".
(٦) المسند (١/٣١٦).
(٧) في ت: "وإسناده".
(٨) زيادة من ت.
(٩) زيادة من ت، س، أ.
(١٠) في أ: "أم جبل".
(١١) زيادة من أ.
(١٢) في أ: "حسن".
(١٣) ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٥/١٧٨) وليس في المطبوع من المسند.
(١٤) في أ: "العبقري".
(١٥) تفسير الطبري (٢٢/٥٣).
(١٦) في س، أ: "نمير".
(١٧) في أ: "عبدة".
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَفْرِيقِيَّةَ فَقَالَ يَوْمًا: مَا أَظُنُّ قَوْمًا بِأَرْضٍ إِلَّا وَهُمْ مِنْ أَهْلِهَا. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ: كَلَّا قَدْ حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَنَّ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيك الغُطَيفي (١) قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ (٢) اللَّهِ، إِنَّ سَبَأً قَوْمٌ كَانَ لَهُمْ عِزٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَرْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، أَفَأُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَالَ: "مَا أُمِرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ بَعْدُ". فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ الْآيَاتِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سَبَأٌ؟ فَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: أن رسول الله ﷺ سُئل عَنْ سَبَأٍ: مَا هُوَ؟ أَبْلَدٌ، أَمْ رَجُلٌ، أَمِ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: "بَلْ رَجُلٌ، وَلَد لَهُ عَشَرَة فَسَكَنَ الْيَمَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَالشَّامَ أَرْبَعَةٌ، أَمَّا الْيَمَانِيُّونَ: فَمُذْحِجُ، وَكِنْدَةُ، وَالْأَزْدُ، وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَأَنْمَارُ، وَحِمْيَرُ غَيْرُ مَا حَلَّهَا. وَأَمَّا الشَّامُ: فَلَخْمُ، وَجُذَامُ، وَغَسَّانُ، وَعَامِلَةُ".
فِيهِ غَرَابَةٌ مِنْ حَيْثُ ذِكْرُ [نُزُولِ] (٣) الْآيَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا، وَاللَّهُ (٤) أَعْلَمُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو (٥) سَبْرَة النَّخَعِي، عَنْ فَرْوَة بْنِ مُسَيْك الغُطَيْفي (٦) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ سَبَأٍ: مَا هُوَ؟ أَرْضٌ، أَمِ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: "لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا: فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَعَامِلَةُ وَغَسَّانُ، وَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا: فَكِنْدَةُ، وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَالْأَزْدُ، وَمُذْحِجُ، وَحِمْيَرُ، وَأَنْمَارُ". فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أَنْمَارُ؟ قَالَ: "الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبَجِيلَةُ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، عَنْ أَبِي كُرَيْب وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، فَذَكَرَهُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. (٧)
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ -هُوَ عُثْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ-عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَأٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ وحَسّن. (٨)
قَالَ عُلَمَاءُ النَّسَبِ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اسْمُ سَبَأٍ: عَبْدُ شَمْسِ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ سَبَأً لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَبَأَ فِي الْعَرَبِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الرَّائِشُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَنِمَ فِي الْغَزْوِ فَأَعْطَى قَوْمَهُ، فَسُمِّي الرَّائِشَ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَالَ: رِيشًا وَرِيَاشًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ بشَّر بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ (٩) الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ شعرًا:
(١) في أ: "القطيعي".
(٢) في س، أ: "يا نبي".
(٣) زيادة من أ.
(٤) في س: "فالله".
(٥) في أ: "ابن".
(٦) في أ: "القطيعي".
(٧) تفسير الطبري (٢٢/٥٣) وسنن الترمذي برقم (٣٢٢٢).
(٨) القصد والأمم ص (٢٠).
(٩) في ت، أ: "الزمان".
سَيَمْلِكُ بَعْدَنَا مُلْكًا عَظيمًا... نَبيّ لَا يُرَخِّصُ في الحَرَام...
وَيَْملك بَعْدَه منْهُم مُلُوك... يدينوه العبادَ بغَير ذَامٍ...
ويَملك بَعدهم مِنَّا مُلُوك... يَصير المُلك فينَا باقْتسَام...
وَيَمْلك بَعَْد قَحْطَان نَبي... تَقي خَبْتَة خُيْرُ الْأَنَامِ...
وسُميَ أحْمَدًا يَا لَيْتَ أَنِّي... أُعَمَّرُ بَعْد مَبْعَثه بِعَامٍ...
فأعضُده وأَحْبوه بنَصْري... بكُل مُدَجّج وبكُل رَامٍ...
مَتَى يَظْهَرْ فَكُونُوا نَاصريه... وَمَنْ يَلْقَاهُ يُبْلغه سَلامي...
ذَكَرَ ذَلِكَ الْهَمْدَانِيُّ فِي كِتَابِ "الْإِكْلِيلِ".
وَاخْتَلَفُوا فِي قَحْطَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اتِّصَالِ نَسَبِهِ بِهِ عَلَى ثَلَاثِ (١) طَرَائِقَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ عَابَر، وَهُوَ هُودٌ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اتِّصَالِ نَسَبِهِ بِهِ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ أَيْضًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ اتِّصَالِ نَسَبِهِ بِهِ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُسْتَقْصًى الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمري، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ [الْمُسَمَّى] (٢) :"الْإِنْبَاهُ عَلَى ذِكْرِ أُصُولِ الْقَبَائِلِ الرُّوَاةِ" (٣).
وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "كَانَ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ" يَعْنِي: الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ سُلَالَةِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ: كَانَ مِنْ سُلَالَةِ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّ بِنَفَرٍ مِنْ "أسلَمَ" يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا" (٤). فَأَسْلَمُ قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالْأَنْصَارُ أَوْسُهَا وَخَزْرَجُهَا مِنْ غَسَّانَ مِنْ عَرَبِ الْيَمَنِ مِنْ سَبَأٍ، نَزَلُوا بِيَثْرِبَ لَمَّا تَفَرَّقَتْ سَبَأٌ فِي الْبِلَادِ، حِينَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، وَنَزَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالشَّامِ، وَإِنَّمَا (٥) قِيلَ لَهُمْ: غَسَّان بِمَاءٍ نَزَلُوا عَلَيْهِ قيلَ: بِالْيَمَنِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ المُشَلَّل (٦)، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
إمَّا سَألت فَإنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌالأزْدُ نِسْبَتُنَا، وَالْمَاءُ غَسَّانُ (٧)
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْعَرَبِ" أَيْ: كَانَ (٨) مِنْ نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع
(١) في أ: "ثلاثة".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في ت: "بالرواة".
(٤) صحيح البخاري برقم (٣٥٠٧) من حديث سلمة، رضي الله عنه.
(٥) في ت: "وإن".
(٦) في ت: "المسلك" وفي أ: "المسكن".
(٧) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/١٠).
(٨) في ت: "كانوا".
إِلَيْهِمْ أُصُولُ الْقَبَائِلِ مِنْ عَرَبِ الْيَمَنِ، لَا أَنَّهُمْ وُلِدُوا مِنْ صُلْبِهِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ الْأَبَوَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَالْأَقَلُّ وَالْأَكْثَرُ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مُبِينٌ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ (١) كُتِبِ النَّسَبِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ" أَيْ: بَعْدَ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، مِنْهُمْ مَنْ أَقَامَ بِبِلَادِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَحَ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ السَّدِّ أَنَّهُ كَانَ الْمَاءُ يَأْتِيهِمْ مِنْ بَيْنِ جَبَلَيْنِ وَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَيْضًا سُيُولُ أَمَطَارِهِمْ وَأَوْدِيَتِهِمْ، فعَمَدَ مُلُوكُهُمُ الْأَقَادِمُ، فَبَنَوْا بَيْنَهُمَا سَدًا عَظِيمًا مُحْكَمًا حَتَّى ارْتَفَعَ الْمَاءُ، وحُكمَ عَلَى حَافَاتِ ذَيْنَكِ الْجَبَلَيْنِ، فَغَرَسُوا الْأَشْجَارَ وَاسْتَغَلُّوا الثِّمَارَ فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْكَثْرَةِ وَالْحُسْنِ، كَمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَمْشِي تَحْتَ الْأَشْجَارِ وَعَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ أَوْ زِنْبِيلٌ، وَهُوَ الَّذِي تُخْتَرَفُ (٢) فِيهِ الثِّمَارُ، فَيَتَسَاقَطُ مِنَ الْأَشْجَارِ فِي ذَلِكَ مَا يَمْلَؤُهُ مِنْ غَيْرِ أَنَّ يَحْتَاجَ إِلَى كُلْفَةٍ وَلَا قُطَّاف، لِكَثْرَتِهِ وَنُضْجِهِ وَاسْتِوَائِهِ، وَكَانَ هَذَا السَّدُّ بِمَأْرَبَ: بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَنْعَاءَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ، وَيُعْرَفُ بِسَدِّ مَأْرَبَ.
وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الذُّبَابِ وَلَا الْبَعُوضِ وَلَا الْبَرَاغِيثِ، وَلَا شَيْءٌ مِنَ الْهَوَامِّ، وَذَلِكَ لِاعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَصِحَّةِ الْمِزَاجِ وَعِنَايَةِ اللَّهِ بِهِمْ، لِيُوَحِّدُوهُ وَيَعْبُدُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أَيْ: مِنْ نَاحِيَتَيِ الْجَبَلَيْنِ وَالْبَلْدَةُ بَيْنَ (٣) ذَلِكَ، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أَيْ: غَفُورٌ لَكُمْ إِنِ اسْتَمْرَرْتُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أَيْ: عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَعَدَلُوا إِلَى عِبَادَةِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَ هُدْهُدُ سُلَيْمَانَ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٢٢، ٢٤].
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّه: بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا.
وَقَالَ السُّدِّي: أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ نَبِيٍّ، وَاللَّهُ (٤) أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ : قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعَرِمِ الْمِيَاهُ. وَقِيلَ: الْوَادِي. وَقِيلَ: الجُرَذ. وَقِيلَ: الْمَاءُ الْغَزِيرُ. فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الِاسْمِ إِلَى صِفَتِهِ، مِثْلَ: "مَسْجِدُ الْجَامِعِ". وَ"سَعِيدُ كُرْز" حَكَى ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ. (٥)
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ؛ أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، لَمَّا أَرَادَ عُقُوبَتَهُمْ بِإِرْسَالِ الْعَرِمِ عَلَيْهِمْ، بَعَثَ عَلَى السَّدِّ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ، يُقَالُ لَهَا: "الجُرَذ" نَقَبَتْهُ -قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وَقَدْ كَانُوا يَجِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ سَبَبَ خَرَابِ هَذَا السَّدِّ هُوَ الجُرَذ فَكَانُوا يَرْصُدُونَ عِنْدَهُ السَّنَانِيرَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ، فَلَمَّا جَاءَ الْقَدَرُ غَلَبَتِ الْفَأْرُ السَّنَانِيرَ، وَوَلَجَتْ إِلَى السَّدّ فَنَقَبَتْهُ، فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ.
(١) في ت: "في".
(٢) في ت: "يحترق".
(٣) في أ: "من".
(٤) في ت، س: "فالله".
(٥) الروض الأنف (١/١٥).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٥ - ٢١ } ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾
سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها " مأرب " ومن نعم اللّه ولطفه بالناس عموما، وبالعرب خصوصا، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة فقال :﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أي : محلهم الذي يسكنون فيه ﴿آيَةٌ﴾ والآية هنا : ما أدرَّ اللّه عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا اللّه ويشكروه. ثم فسر الآية بقوله ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ وكان لهم واد عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدا محكما، يكون مجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله. وتُغِلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان، من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم اللّه بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها : هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.
ومنها : أن اللّه جعل بلدهم، بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
ومنها : أن اللّه تعالى وعدهم - إن شكروه - أن يغفر لهم وَيرحمهم، ولهذا قال :﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾
ومنها : أن اللّه لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، - الظاهر أنها :[ قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل : إنها ] الشام - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد.
ولهذا قال :﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي :[ سيرا ] مقدرا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أي : مطمئنين في السير، في تلك الليالي والأيام، غير خائفين. وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم، أن أمنهم من الخوف.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٥ - ٢١} ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها "مأرب" ومن نعم الله ولطفه بالناس عموما، وبالعرب خصوصا، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أي: محلهم الذي يسكنون فيه ﴿آيَةٌ﴾ والآية هنا: ما أدرَّ الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا الله ويشكروه. ثم فسر الآية بقوله ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ وكان لهم واد عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدا محكما، يكون مجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله. وتُغِلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان، من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.
ومنها: أن الله جعل بلدهم، بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
ومنها: أن الله تعالى وعدهم - إن شكروه - أن يغفر لهم وَيرحمهم، ولهذا قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾
ومنها: أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، - الظاهر أنها: [قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها] الشام - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد.
ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: [سيرا] مقدرا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أي: مطمئنين في السير، في تلك الليالي والأيام، غير خائفين. وهذا من تمام نعمة الله عليهم، أن أمنهم من الخوف.
فأعرضوا عن المنعم، وعن عبادته، وبطروا النعمة، وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا، أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى، التي كان السير فيها متيسرا.
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بكفرهم بالله وبنعمته، فعاقبهم الله تعالى بهذه النعمة، التي أطغتهم، فأبادها عليهم، فأرسل عليها سيل العرم.
أي: السيل المتوعر، الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهذا كله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم.
فكما بدلوا الشكر الحسن، بالكفر القبيح، بدلوا تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ أي: وهل نجازي جزاء العقوبة - بدليل السياق - إلا من كفر بالله وبطر النعمة؟
فلما أصابهم ما أصابهم، تفرقوا -[٦٧٨]- وتمزقوا، بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم الله أحاديث يتحدث بهم، وأسمارا للناس، وكان يضرب بهم المثل فيقال: "تفرقوا أيدي سبأ" فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه الله، ولا يتسخطها بل يصبر عليها. شكور لنعمة الله تعالى يُقِرُّ بها، ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك أن تلك العقوبة، جزاء لكفرهم نعمة الله، وأن من فعل مثلهم، فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر الله تعالى، حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل الله، صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا.
ثم ذكر أن قوم سبأ من الذين صدَّق عليهم إبليس ظنه، حيث قال لربه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وهذا ظن من إبليس، لا يقين، لأنه لا يعلم الغيب، ولم يأته خبر من الله، أنه سيغويهم أجمعين، إلا من استثنى، فهؤلاء وأمثالهم، ممن صدق عليه إبليس ظنه، ودعاهم وأغواهم، ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن لم يكفر بنعمة الله، فإنه لم يدخل تحت ظن إبليس.
ويحتمل أن قصة سبأ، انتهت عند قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على جنس الناس، فتكون الآية عامة في كل من اتبعه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ أي: لإبليس ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: تسلط وقهر، وقسر على ما يريده منهم، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت تسليطه وتسويله لبني آدم.
﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ أي: ليقوم سوق الامتحان، ويعلم به الصادق من الكاذب، ويعرف من كان إيمانه صحيحا، يثبت عند الامتحان والاختبار، وإلقاء الشبه الشيطانية، ممن إيمانه غير ثابت، يتزلزل بأدنى شبهة، ويزول بأقل داع يدعوه إلى ضده، فالله تعالى جعله امتحانا، يمتحن به عباده، ويظهر الخبيث من الطيب.
﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ يحفظ العباد، ويحفظ عليهم أعمالهم، ويحفظ تعالى جزاءها، فيوفيهم إياها، كاملة موفرة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٧ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لِسَبَإٍ
قَبِيلَةٍ بِاليَمَنِ سُمُّوا بِاسْمِ جَدِّهِمْ.
آيَةٌ
دَلَالَةٌ عَلَى قُدْرَتِنَا.
جَنَّتَانِ
بُسْتَانَانِ.
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
كَرِيمَةُ التُّرْبَةِ، طَيِّبَةُ الهَوَاءِ.

إعراب الآية ١٥ من سورة سبأ

من كتاب: إعراب القرآن

الشَّكُورُ مبتدأ وخبره. والشكور على التكثير لا غير، وشاكر يقع للقليل والكثير، والشكر لا يكون إلا في شيء بعينه، والحمد أعمّ منه.

[سورة سبإ (٣٤) : آية ١٤]

فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)
مِنْسَأَتَهُ «١» قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأها الكوفيون بالهمز واشتقاقها يدلّ على أنها مهموزة لأنها مشتقة من نسأته أي أخّرته ودفعته فقيل لها: منسأة لأنه يدفع بها الشيء ويؤخّر. قال مجاهد وعكرمة: هي العصا فمن قرأ (منساته) أبدل من الهمزة ألفا، فإن قال قائل: الإبدال من الهمزة قبيح إنما يجوز في الشعر على بعد وشذوذ وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا ولا سيما وأهل المدينة على هذه القراءة فالجواب عن هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمرو: ولست أدري ممّ هي؟
إلّا أنها غير مهموزة. وهذا كلام العلماء لأن ما كان مهموزا قد يترك همزة وما لم يكن مهموزا لم يجز همزه بوجه. فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ موته وقال غيره: المعنى: تبيّن أمر الجن مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وقيل: المعنى تبيّنت الجن للإنس: وفي التفسير بالأسانيد الصحاح تفسير المعنى، وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: أقام سليمان بن داود صلّى الله عليهما حولا لا يعلم بموته وهو متّكئ على عصاه والجنّ متصرّفة فيما كان أمرها به ثم سقط بعد حول. وقرأ ابن عباس فلما خرّ تبيّنت الإنس أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين «٢» قال أبو جعفر: وهذه القراءة عن ابن عباس على سبيل التفسير. فأما. أَنْ فموضعها موضع رفع على البدل من الجن أي تبيّن أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب، وهذا بدل الاشتمال، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى اللام.

[سورة سبإ (٣٤) : آية ١٥]

لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ بالصرف والتنوين على أنه اسم للحيّ، وهو في الأصل اسم رجل جاء بذلك التوقيف عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقرأ أبو عمرو لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ «٣» بغير صرف
(١) انظر تيسير الداني ١٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٧، نافع وأبو عمرو بألف ساكنة بدلا من الهمزة، وابن ذكوان بهمزة ساكنة، والباقون بهمزة مفتوحة.
(٢) انظر المحتسب ٢/ ١٨٨، والبحر المحيط ٧/ ٢٥٧.
(٣) انظر تيسير الداني ١٤٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٥ من سورة سبأ

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

لِسَبَإٍ

(لِسَبَأْ) بإسكان الهمزة

قنبل عن ابن كثير

(لِسَبَأَ) بفتح الهمزة دون تنوين

البزي عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(لِسَبَإٍ) بتنوين الهمزة بالكسر

الدوري عن الكسائي خلف عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم إدريس عن خلف شعبة عن عاصم خلاد عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر ورش عن نافع رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

مَسْكَنِهِمْ

(مَسَاكِنِهِمْ) بفتح السين وبعدها ألف وبكسر الكاف وإسكان الميم دون سكت عليها

شعبة عن عاصم روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع

(مَسَاكِنِهِمُ) بفتح السين وبعدها ألف وبكسر الكاف وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(مَسَاكِنهِمُ) بفتح السين وبعدها ألف وبكسر الكاف وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(مَسَاكِنِهِمُ) بفتح السين وبعدها ألف وبكسر الكاف وصلة الميم ومدها حركتين

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قالون عن نافع

(مَسْكَنِهِمْ) بإسكان السين وحذف الألف بعدها وبفتح الكاف وبإسكان الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة

(مَسْكِنِهِمْ) بإسكان السين وحذف الألف بعدها وبكسر الكاف وإسكان الميم دون سكت

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

(مَسْكَنِهِمْ) بإسكان السين وفتح الكاف وحذف الألف بعد السين وبإسكان الميم دون سكت

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة سبأ، الآيةُ ١٥ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

١٥ المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ والبصريّ المرجِع
١٥–١٦ الدِمَشقيّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

في أثنائها ﴿ وشمال

يَعُدُّه رأسَ آية

الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ الكوفيّ البصريّ

﴿وشمال﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه الدِمَشقيّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ والبصريّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ١٥ من سورة سبأ

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٧ أقوال
١
قال يحيى بن سلّام: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ كانوا باليمن، وفي تفسير الحسن، وقتادة: أرض١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢/ ٧٥٢.
٢
عن عبد الله بن عباس، أنّ رجلًا سأل النبي ﷺ عن سبأ أرجل هو أم امرأة أم أرض؟ فقال: «بل هو رجل ولَد عشرة، فسكن اليمن منهم ستةٌ، وبالشام منهم أربعةٌ؛ فأما اليمانيون: فمَذْحِج، وكِندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمير. وأَمّا الشاميون: فلَخْم، وجُذام، وعاملة، وغسان»[[أخرجه أحمد ٥/٧٥ (٢٨٩٨)، والحاكم ٢/٤٥٩ (٣٥٨٥)، ويحيى بن سلام ٢/٥٣٩، ٢/٧٥٢. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في المجمع ١/١٩٣ (٩٣٦): «فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف». وقال ابن كثير ٦/٥٠٤: «ورواه عبد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، به. وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقد روي من طرق متعددة. وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب القصد والأمم بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم، من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة، عن ابن عباس فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر».]]
٣
عن فَرْوَة بن مُسَيْك المرادي، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مَن قومي بِمَن أقْبَلَ منهم؟ فأْذَن لي في قتالهم، وأمِّرْني. فلما خرجت من عنده أرسل في أثري، فرَدَّني، فقال: «ادعُ القومَ، فمَن أسلم منهم فاقبل منه، ومَن لم يُسلم فلا تعجل حتى أُحْدِثَ إليك». وأُنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ، أرض أم امرأة؟ قال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولَد عشرة مِن العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخْم، وجُذام، وغسان، وعامِلة. وأَمّا الذين تيامنوا: فالأَزد، والأشعريون، وحِمْير، وكِنْدة، ومذْحِج، وأنمار». فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثْعَم، وبَجِيلة»[[أخرجه أحمد ٣٩/٥٢٧-٥٢٩ (٢٤٠٠٩/٨٧-٨٨)، والترمذي ٥/٤٣٤-٤٣٥ (٣٥٠١) واللفظ له، وأبو داود مختصرًا ٦/١١٤ (٣٩٨٨)، وابن جرير ١٩/٢٤٤-٢٤٥، ٢٤٦. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وقال ابن كثير ٦/٥٠٤ عن إسناد أحمد: «وهذا أيضًا إسناد جيد، وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه. لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن العنقزي، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط- قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله ﷺ، فذكره».]]
٤
عن يزيد بن حصين السلمي، أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما سبأ؟ قال: «كان رجل مِن العرب ولد عشرة؛ سكن اليمن ستة، والشام أربعة، فالذين باليمن: كِندة، ومَذحِج، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمير. وبالشام: لخْم، وجُذام، وعاملة، وغسّان»[[أخرجه الطبراني في الكبير ٢٢/٢٤٥ (٦٣٩)، وابن عساكر في تاريخه ٦٥/١٥٥. قال الهيثمي في المجمع ٧/٩٤ (١١٢٨٧): «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير شيخ الطبراني علي بن الحسن بن صالح الصائغ، ولم أعرفه».]][[c=٥٣١٠]]
٥
قال الحسن البصري: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ لقد تبين لأهل سبإ، كقوله: ﴿واسْأَل القَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، أي: أهل القرية[[علقه يحيى بن سلام ٢/٧٥٢.]]
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾، قال: قومٌ أعطاهم اللهُ نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته[[أخرجه ابن جرير ١٩/٢٤٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ وهو زجل بن يشجب بن يعرب بن قحطان ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٣/٥٢٨.]][[c=٥٣١١]]

تفسير

١٠ أقوال
١
عن الحسن البصري: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾، فيها تقديم: لقد كان لسبإ في مساكنهم جنتان، فوصفهما، ثم قال: ﴿آيَةٌ﴾١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٥٢.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق أبي هلال- قال: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾، كان لسبأ جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تَمُرُّ ومِكتلها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فيمتلئ فاكهةً وما مسَّته بيدها، فلما طغَوا بعث الله عليهم دابَّةً يُقال لها: الجرذ. فنقب عليهم، فغرقهم، فما بقي إلا أثْل، وشيء من سدر قليل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٤٧. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
قال إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾، كانت المرأة تحمل مِكتلها على رأسها، وتمر بالجنتين، فيمتلئ مِكتلها مِن أنواع الفواكه مِن غير أن تمسَّ شيئًا بيدها١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٦‏/‏٣٩٣.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ إحداهما عن يمين الوادي، والأخرى عن شمال الوادي، واسم الوادي: العَرِم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٢٨.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾، قال: لم يكن يُرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، وإن الركب ليأتون وفي ثيابهم القمل والدواب، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها فتموت تلك الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القُفَّة على رأسه، ويخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القُفّة من أنواع الفاكهة، ولم يتناول منها شيئًا بيده١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٤٧. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٦
عن سفيان بنِ عيينة -من طريق ابن أبي عمر- في قوله: ﴿لقد كان لسبأ في مسكنهم ءاية جنتان﴾، قال: هي أرض اليمن، يُقال لها: مأرب، كانت امرأة تخرج فتضع مكتلها على رأسها فتغزل فيمتلئ المكتل. قال: ووجدوا فيها قصرًا مكتوبًا عليه: نحن في مقيل ومراح١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٥١.
٧
قال يحيى بن سلّام: ثم أخبر بتلك الآية، فقال: ﴿جَنتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ جنة عن يمين، وجنة عن شمال١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٥٢.
٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾، قال: هذه البلدة طيبة، وربكم غفور لذنوبكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٤٨ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٩
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله لأهل تلك الجنتين: ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الذي في الجنتين، ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ لله فيما رزقكم. ثم قال: أرض سبأ ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ بأنها أخرجت ثمارها، ﴿و﴾ربكم إن شكرتم فيما رزقكم ﴿رَبٌّ غَفُور﴾ للذنوب. كانت المرأة تحمل مِكتلًا على رأسها، فتدخل البستان، فيمتلئ مِكتلها مِن ألوان الفاكهة والثمار مِن غير أن تمسَّ شيئًا بيدها، وكان أهل سبأ إذا أُمطروا يأتيهم السيل مِن مسيرة أيام كثيرة إلى العَرِم، فعمدوا فسَدُّوا ما بين الجبلين بالصخر والقار، فاستدَّ زمانًا، وارتفع الماء على حافتي الوادي، فصار فيهما ألوان الفاكهة والأعناب، فعصوا ربَّهم فلم يشكروه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٢٨.
١٠
قال يحيى بن سلّام: ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أي: هذه بلدة طيبة، ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ لِمَن آمن١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٥٢.

قراءات

٤ أقوال
١
عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قرأ: ‹لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَساكِنِهِمْ›[[أخرجه الحاكم ٢/٢٧١ (٢٩٧٨).‹فِي مَساكِنِهِمْ› قراءة متواترة، قرأ بها العشرة ما عدا حمزة، والكسائي، وخلفًا، وحفصًا؛ فإنهم قرؤوا: ﴿فِي مَسْكنِهِمْ﴾، واختلف هؤلاء في حركة الكاف، ففتحها حمزة وحفص: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وكسرها الكسائي وخلف: ‹فِي مَسْكِنِهِمْ›. انظر: النشر ٢/٣٥٠، والإتحاف ص٤٥٩. قال الحاكم: «هذه نسخة لم نكتبها عالية إلا عن أبي العباس، والشيخان لم يحتجا بابن البيلماني». وقال الذهبي في التلخيص: «لم يصح».]]
٢
عن الحسن البصري، وأبي عمرو -من طريق هارون-: «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَساكِنِهِمْ»، وأهل الكوفة: ﴿فِي مَسْكِنِهِمْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص ١٥٠.
٣
عن عاصم، أنّه قرأ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ بالخفض منونة مهموزة، ‹فِي مَساكِنِهِمْ› على الجماع بالألف[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. و﴿لِسَبَإٍ﴾ بالخفض منوّنة مهموزة قراءة متواترة، قرأ بها العشرة ما عدا البزي، وأبا عمرو؛ فإنهما قرآ: ‹لِسَبَأَ› بفتح الهمزة بلا تنوين، وما عدا قنبلًا؛ فإنه قرأ: ‹لِسَبَأْ› بإسكان الهمزة. انظر: النشر ٢/٣٣٧، والإتحاف ص٤٥٩.]][[c=٥٣٠٨]]
٤
عن يحيى بن وثّاب، أنه كان يقرؤها: ‹لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكِنِهِمْ›[[عزاه السيوطي إلى الفريابي.]][[c=٥٣٠٩]]
التفسير بالمأثور لسورة سبأ كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥ من سورة سبأ

١٠ وقفات في هذه الآية

  • (بلدة طيبة ورب غفور)  مع البلد الطيب والنعمة يغفل الإنسان عن الشكر وتفوت بعض العبادات فاحتاج المؤمن (لرب غفور) ليكتمل نعيمه" .

    — عقيل الشمري

  • ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال ) الآية أخذ العبر من الأمم السابقة مطلب شرعي .

    — عبدالملك القاسم

  • تدبرات في سورة سبأ تدبر في أية 15

    — عقيل الشمري

  • جاء بقصة سبأ بعد قصة سليمان عليه السلام، لإن أشهر قصة لسليمان كانت مع ملكة سبأ، في دعوتهم للتوحيد، فناسب أن يأتي بقصة سبأ، بعد ذكر سليمان عليه السلام .(في المطبوع20/ 12288)

    — محمد متولي الشعراوي

  • (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) طيبة : أي بلا جهدٍ كبير للإنسان ، وليس فيه مشقة .(في المطبوع20/ 12295 )

    — محمد متولي الشعراوي

  • تأملات قرآنية من تفسير ابن كثير.,.,

    — سعد الحجري

  • طرقات علي باب التدبر سورة سبأ أية 15

    — محمد علي يوسف

  • الإعراض عن شكر المنعم عنوان زوال النعم وحلول النقم، { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} ...{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }.

    — مجالس التدبر

  • الحياة حقيقة بالشكر، فكيف بحياة الرخاء؟! " كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور " تدبر واحفظ رب أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا..

    — مجالس التدبر

  • قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمينٍ وَشِمَالً. .) الآية، وحَّد الآية مع أن الجنتين آيتان، لتماثلهما في الدلالة، واتحاد جهتهما، كقوله تعالى " وجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيمَ وأُمَّهُ آية ".

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

فتاوى متعلقة بالآية ١٥ من سورة سبأ

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٥ من سورة سبأ

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(15) There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال