تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٥ وقوله تعالى :﴿لقد كان لسبأٍ في مسكنهم آية﴾ تحتمل الآية التي ذكر لهم في مساكنهم الجنتين اللتين ذكرهما :
إحداهما : عن اليمين : والأخرى عن الشمال. ويكون لهم فيهما عبرة، فتحملهم على الشكر لربهم عليهما والحمد له والثناء في تلك النّعم، أو تذكّرهم قدرة خالقهم وسلطانه وهيبته، فيحملهم ذلك على الخوف من العواقب والعقاب على خلافه ورجاء الثواب على طاعته، فلم يتذكروا.
ويحتمل(١) أن تكون الآية التي ذكر لهم في تبديل الجنتين اللتين كان لهم فيهما كل سعة وخصب وكل ألوان الفواكه والجواهر في غير مَؤُنة تلحقهم، لأنه قال في غير آية(٢) من القرآن :﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [الأنعام: ١١] فأخبر ههنا لهم أن لهم في تبديل جنّتهم جنتين آية، لو اعتبروا، واتّعظوا، [ لما وقعت ](٣) لهم الحاجة إلى النظر في آيات من تقدم منهم، بل العبرة في ذلك لهم أكثر، لأنهم عاينوا هذا على ما عاينوا من أنواع النعم. ثم غُيّر ذلك، وبُدّل عليهم. ومن(٤) تقدم منهم إنما يعرفون ذلك عن خبر يبلغهم لأن أصلهم قد هلك. وهذا على المشاهدة والمُعاينة.
وقوله تعالى :﴿عن يمين وشمال﴾ قيل : عن يمين الوادي وشماله. ويحتمل عن يمين الطريق وشماله، فيكون عن يمينهم وشمالهم.
وقوله تعالى :﴿كُلوا من رزق ربكم واشكروا له﴾ كأنه قالت لهم الرسل :﴿كلوا من رزق ربكم واشكروا له﴾ إذ ذكر أنه بعث فيهم كذا كذا رسولا. ثم وصف بلدة سبأ أنها طيبة حين(٥) قال :﴿بلدة طيبة﴾ : يحتمل ما ذكر من طيبها سعتها وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها.
وقوله تعالى :﴿وربٌّ غفور﴾ أي إن ربكم إن شكرتم في ما رزقكم، وأنعم عليكم ربّ غفور لذنوبكم، أو يقال :﴿ورب غفور﴾ أي ستور، يستر عليكم ذنوبكم، ولا يفضحكم، إذا صدقتموه، وأطعتموه، وشكرتم نعمه.
ذُكر أن المرأة منهم كانت، تحمل /٤٣٥-أ/ المكتل على رأسها، والمِعول بيدها، فتدخل البستان، فيمتلئ مكتالها من ألوان الفواكه والثمار من غير أن تمسّ شيئا بيدها لكثرة ريعها ونزُلها. والله أعلم.
ثم ذِكر سبب تبديل الجنتين اللتين كانتا لهما وبما كان التبديل :
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل وم: آي..
٣ في الأصل وم: فلا تقع..
٤ في الأصل وم: وما..
٥ في الأصل وم: حيث..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى