تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس - صاحبة سليمان - منهم(١)، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه(٢) بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغِبْطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حَمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويَقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم ؛ ولهذا قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، قال وهب بن منبه : هي قرى بصنعاء. وكذا قال أبو مالك.
وقال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسُّدِّي، وابن زيد وغيرهم(١) : يعني : قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة.
وقال العوفي، عن ابن عباس : القرى التي باركنا فيها(٢) : بيت المقدس.
وقال العوفي، عنه أيضا : هي قرى عربية بين المدينة والشام.
﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي : بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يَقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى ؛ ولهذا قال :﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي : جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أي : الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا.
١ - في ت: "وخلق غيرهما"..
٢ - في ت: "هي"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى