الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿رَبَّنَا﴾ : العامَّةُ بالنصبِ على النداء. وابن كثيرٍ وأبو عمروٍ وهشام " بَعِّدْ " بتشديدِ العَيْنِ فعلَ طلبٍ. والباقون " باعِدْ " طلباً أيضاً من المفاعلة بمعنى الثلاثي. وقرأ ابنُ الحنفية وسفيان بن حسين وابن السَّمَيْفع " بَعُدَ " بضم العين فعلاً ماضياً. والفاعلُ المَسِيْرُ أي : بَعُدَ المَسِيْرُ. و " بَيْنَ " ظرفٌ. وسعيد بن أبي الحسن كذلك إلاَّ أنَّه ضَمَّ نونَ " بين " جعله فاعلَ " بَعُدَ "، فأخرجه عن الظرفية كقراءةِ " تَقَطَّع بينكُم " رفعاً. فالمعنى على القراءةِ المتضمِّنةِ للطلبِ يكونُ المعنى : أنهم أَشِرُوا وبَطِرُوا ؛ فلذلك طلبوا بُعْدَ الأسفارِ. وعلى القراءة المتضمِّنة للطلبِ يكونُ المعنى : أنهم أَشِرُوا وبَطِرُوا ؛ فلذلك طلبوا بُعْدَ الأسفارِ. وعلى القراءة المتضمِّنة للخبرِ الماضي يكونُ شكوى مِنْ بُعْدِ الأسفار التي طلبوها أيضاً.
وقرأ جماعةٌ كثيرةٌ منهم ابن عباس وابن الحنفية وعمرو بن فائد " ربُّنا " رفعاً على الابتداءِ، " بَعِّدْ " بتشديد العين فعلاً ماضياً خبرُه. وأبو رجاءٍ والحسنُ ويعقوب كذلك إلاَّ أنه " باعَدَ " بالألف. والمعنى على هذه القراءة : شكوى بُعْدِ أسفارِهم على قُرْبها ودُنُوِّها تَعَنُّتاً منهم.
وقُرِئ " بُوعِدَ " مبنياً للمفعول. وإذا نصَبْتَ " بينَ " بعد فعلٍ متعدٍّ مِنْ هذه المادةِ في إحدى هذه القراءاتِ سواءً كان أمراً أم ماضياً فجعله الشيخ منصوباً على المفعول به لا ظرفاً. قال :" ألا ترى إلى قراءةِ مَنْ رفع كيف جَعَلَه اسماً " ؟ قلت : إقرارُه على ظرفيَّتِه أَوْلَى، ويكون المفعولُ محذوفاً، تقديره : بَعِّدِ السيرَ بينَ أسفارِنا. ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ " بَعُدَ " بضم العين " بينَ " بالنصب، فكما تُضْمِرُ هنا الفاعلَ وهو ضميرُ السَّيْرِ كذلك تُبْقي هنا " بينَ " على بابِها، وتَنْوي السيرَ. وكان هذا أَوْلى ؛ لأنَّ حَذْفَ المفعولِ كثيرٌ جداً لا نِزاع فيه، وإخراجُ الظرفِ غير المتصرِّفِ عن ظرفيتِه فيه نزاعٌ كثيرٌ، وتحقيقُ هذا والاعتذارُ عن رفعِ " بينكم " مذكورٌ في الأنعام.
وقرأ العامَّةُ " أَسْفارِنا " جمعاً. وابن يعمر " سَفَرِنا " مفرداً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى