محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٩ من سورة سبأ في ١٠٢ كتاب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٩ من سورة سبأ

١٠٢ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَقَالُواْ رَبّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزّقْنَاهُمْ كُلّ مُمَزّقٍ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيات لّكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾.
اختلق القرّاء في قراءة قوله : رَبّنا باعِدْ بينَ أسْفارِنا فقرأته عامة قرّاء المدينة والكُوفة : رَبّنا باعِدْ بينَ أسْفارِنا على وجه الدعاء والمسألة بالألف وقرأ ذلك بعض أهل مكة والبصرة :«بَعّدْ » بتشديد العين على الدعاء أيضا. وذُكر عن المتقدمين أنه كان يقرؤه :«رَبّنا باعَدَ بَينَ أسْفارِنا » على وجه الخبر من الله أن الله فعل ذلك بهم. وحكي عن آخر أنه قرأه :«ربنا بَعّد » على وجه الخبر أيضا غير أنّ الربّ منادي.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا : رَبّنا باعِدْ و«بَعّدْ » لأنهما القراءتان المعروفتان في قرأة الأمصار وما عداهما فغير معروف فيهم على أن التأويل من أهل التأويل أيضا يحقّق قراءة من قرأه على وجه الدعاء والمسألة، وذلك أيضا مما يزيد القراءة الأخرى بُعدا من الصواب.
فإذا كان هو الصواب من القراءة، فتأويل الكلام : فقالوا : يا ربنا باعِدْ بين أسفارنا، فاجعل بيننا وبين الشأم فَلَوات ومَفاوِز، لنركب فيها الرواحل، ونتزوّد معنا فيها الأزواد وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، وجهلهم بمقدار العافية ولقد عجل لهم ربهم الإجابة، كما عجل للقائلين : إنْ كانَ هَذَا هُوَ الحَقّ مِنْ عَنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِيمٍ أعطاهم ما رغبوا إليه فيه وطلبوا من المسألة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو خُصَين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال : حدثنا عَبْثَر، قال : حدثنا حُصَين، عن أبي مالك في هذه الآية : فَقالُوا رَبّنا باعِدْ بينَ أسْفارِنا قال : كانت لهم قُرًى متصلة باليمن، كان بعضها ينظر إلى بعض، فبطروا ذلك، وقالوا : ربنا باعدْ بين أسفارنا، قال : فأرسل الله عليهم سَيْل العَرِم، وجعل طعامهم أَثْلاً وخَمْطا وشيئا من سدر قليل.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَقَالُوا رَبّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ قال : فإنهم بطِروا عيشهم، وقالوا : لو كان جَنَى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمُزّقوا بين الشأم وسبأ، وبدّلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل، وشيء من سدر قليل.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فَقالُوا رَبّنا باعِدْ بينَ أسْفارِنا بطر القوم نعمة الله، وغَمَطوا كرامة الله، قال الله وَظَلَمُوا أنُفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَقالُوا رَبّنا باعِدْ بَينَ أسْفارِنا حتى نبيت في الفَلَوات والصحاري فَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ.
وقوله فَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ وكان ظلمهم إياها عَمَلَهم بما يسخط الله عليهم من معاصيه، مما يوجب لهم عقاب الله فجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ يقول : صيرناهم أحاديث للناس يضربون بهم المثل في السبّ، فيقال : تفرّق القوم أيادِي سَبَا، وأيدي سبا، إذا تفرّقوا وتقطّعوا.
وقوله وَمَزّقْناهُمْ كُلّ مُمَزّقٍ يقول : وقطعناهم فِي البلاد كلّ مقطع، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ فجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ وَمَزّقْناهُمْ كُلّ مُمّزّقٍ قال قتادة : قال عامر الشّعْبِي : أما غَسّان فقد لَحِقوا بالشأم، وأما الأنصار فلحقوا بَيثرِب، وأما خَزَاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعُمان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : يزعمون أن عمِران بن عامر، وهو عمّ القوم كان كاهنا، فرأى في كَهانته أن قومه سيمزّقون ويتباعَدُون، فقال لهم : إني قد علمت أنكم سَتُمزّقون، فمن كان منكم ذا همّ بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكأس أو كرود، قال : فكانت وادعة بن عمرو ومن كان منكم ذا هم مدنٍ، وأمرد عَنٍ، فليلْحَق بأرض شَنّ، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق ومن كان منكم يريد عيشا آينا، وحرَما آمنا، فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة ومن كان يريد الراسيات في الوحْل، المطْعِمات في المَحْل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج فهما هذان الحيان من الأنصار ومن كان يريد خمرا وخميرا، وذهبا وحريرا، وملكا وتأميرا فليلحق بكُوثىَ وبصري، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشأم ومن كان منهم بالعراق. قال ابن إسحاق : قد سمعت بعض أهل العلم يقول : إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمران بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك، والله أعلم أيّ ذلك كان قال : فلما تفرّقوا، نزلوا على كهانة عمران بن عامر.
وقوله : إنّ فِي ذلكَ لاَياتٍ لِكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ يقول تعالى ذكره : إن في تمزيقناهم كلّ ممزّق لاَيات يقول : لعظة وعِبْرة ودلالة على واجب حق الله على عبده من الشكر على نعمه إذا أنعم عليه، وحقه من الصبر على محنته إذا امتحنه ببلاء لكلّ صبار شكور على نعمه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إنّ فِي ذلكَ لاَياتٍ لِكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ كان مطرّف يقول : نعم العبد الصّبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القرى ما بين قراكم والقرى التي باركنا فيها لياليَ وأيَّامًا آمنين لا تخافون جوعًا ولا عطشًا، ولا من أحد ظلمًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) لا يخافون ظلمًا ولا جوعًا، وإنما يغدون فيقيلون، ويروحون فيبيتون في قرية أهل جنة ونهر، حتى لقد ذُكر لنا أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، وتمتهن بيدها، فيمتلىء مكتلها من الثمر قبل أن ترجع إلى أهلها من غير أن تخترف شيئًا، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زادًا ولا سقاء مما بُسِط للقوم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَأَيَّامًا آمِنِينَ) قال: ليس فيها خوف.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾
اختلف القراء في قراءة قوله: (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) على وجه الدعاء والمسألة بالألف. وقرأ ذلك بعض أهل مكة والبصرة (بَعِّدْ) بتشديد العين على الدعاء أيضًا. وذكر عن المتقدمين أنه كان يقرؤه (رَبنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) على وجه الخبر من الله أن الله فعل بهم ذلك، وحكي عن آخر أنه قرأه (رَبَّنَا بَعَّدَ) على وجه الخبر أيضًا غير أن الرب منادى.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا (رَبَّنَا بَاعِدْ) و (بَعِّدْ) لأنهما
القراءتان المعروفتان في قراءة الأمصار، وما عداهما فغير معروف فيهم، على أن التأويل من أهل التأويل أيضًا يحقق قراءة من قرأه على وجه الدعاء والمسألة، وذلك أيضًا مما يزيد القراءة الأخرى بعدًا من الصواب.
فإذا كان هو الصواب من القراءة، فتأويل الكلام: فقالوا: يا ربنا باعدْ بين أسفارنا؛ فاجعل بيننا وبين الشأم فلوات ومفاوز، لنركب فيها الرواحل، ونتزود معنا فيها الأزواد، وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، وجهلهم بمقدار العافية، ولقد عجل لهم ربهم الإجابة، كما عجل للقائلين (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أعطاهم ما رغبوا إليه فيه وطلبوا من المسألة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني أَبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال ثنا عَبْثَر، قال ثنا حصين عن أَبي مالك في هذه الآية (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) قال: كانت لهم قرى متصلة باليمن، كان بعضها ينظر إلى بعض، فبطروا ذلك، وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، قال: فأرسل الله عليهم سيل العرم، وجعل طعامهم أثلا وخمطًا وشيئًا من سدر قليل.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) قال: فإنهم بطروا عيشهم، وقالوا: لو كان جَنَى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمُزِّقوا بين الشأم وسبأ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، وأثل وشيء من سدر قليل.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) بطر القوم نعمة الله وغمطوا كرامة الله، قال الله (وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) حتى نبيت في الفلوات والصحاري (فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ).
وقوله (فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) وكان ظلمهم اياها عملَهم بما يسخط الله عليهم من معاصيه مما يوجب لهم عقاب الله (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) يقول: صيرناهم أحاديث للناس يضربون بهم المثل في السبِّ، فيقال: تفرق القوم أيادي سَبَا، وأيدي سبا إذا تفرقوا وتقطعوا.
وقوله (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) يقول: وقطعناهم في البلاد كل مقطع.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) قال قتادة: قال عامر الشعبي: أما غسان فقد لحقوا بالشأم، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعُمان.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يزعمون أن عمران بن عامر وهو عم القوم كان كاهنًا، فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويتباعدون؛ فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بكأس أو كرود، قال: فكانت وادعة بن عمرو، ومن كان منكم ذا هم مدنٍ وأمرد عن فليلحق بأرض شنَّ فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق، ومن كان منكم يريد عيشًا آينًا وحرمًا آمنًا فليلحق بالأرزين فكانت خزاعة، ومن كان يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج فهما هذان الحيان من الأنصار، ومن كان يريد خمرًا وخميرًا وذهبًا وحريرًا وملكًا وتأميرًا فليلحق بكوسَى وبصرَى فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشأم ومن كان منهم بالعراق، قال ابن إسحاق: قد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمران بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك،

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس - صاحبة سليمان - منهم(١)، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه(٢) بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقرأ آخرون :" بعد بين أسفارنا "، وذلك أنهم بَطروا هذه النعمة - كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد - وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحَرُور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في مَنّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة ؛ ولهذا قال لهم :﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال تعالى :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]، وقال تعالى :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. وقال في حق هؤلاء :﴿وَظَلَمُوا(١) أَنْفُسَهُمْ﴾ أي : بكفرهم، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي : جعلناهم حديثا للناس، وَسمَرًا يتحدثون به من(٢) خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا ؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا :" تفرقوا أيدي سبأ " " وأيادي سبأ " و " تفرقوا شَذَرَ مَذَرَ ". (٣)
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، سمعت أبي يقول : سمعت(٤) عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ، قال :﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ [ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ]﴾(٥) إلى قوله :﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة(٦) بشيء من أخبار(٧) السماء، فكان(٨) فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وإنه خُبّر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم(٩). فلم يدر كيف يصنع ؛ لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه - وهو أعزهم أخوالا - : إذا كان غدا وأمرتك بأمر فلا تفعل، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني. فقال : يا أبت، لا تفعل، إن هذا أمر عظيم، وأمر شديد، قال : يا بني، قد حدث أمر لا بد منه. فلم يزل به حتى وافاه على ذلك. فلما أصبحوا واجتمع الناس، قال : يا بني، افعل كذا وكذا. فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال : ابني يلطمني ؟ عَلَيّ بالشفرة. قالوا : وما تصنع بالشفرة ؟ قال : أذبحه. قالوا : تذبح ابنك. الطمه أو اصنع ما بدا لك. قال : فأبى، قال : فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا : خذ منا ما بدا لك. فأبى إلا أن يذبحه. قالوا : فلتموتن قبل أن تذبحه. قال : فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ولدي(١٠) فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضيه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه، قال : أي قوم، إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارا جديدا، وجملا شديدا، وسفرا بعيدا، فليلحق بعمان. ومن أراد منكم الخَمْر والخَمير والعَصير - وكلمة، قال(١١) إبراهيم : لم أحفظها - فليلحق(١٢) ببصْرَى، ومن أراد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق(١٣) بيثرب ذات نخل. فأطاعه قومه(١٤) فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى. وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل. قال : فأتوا على بطن مر فقال بنو عثمان : هذا مكان صالح، لا نبغي به بدلا. فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة، لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان، وتوجهت غسان إلى بصرى.
هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم. (١٥)
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن، بسبب استشعاره بإرسال العَرم فقال : وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن - فيما حدثني أبو زيد الأنصاري - : أنه رأى جرذًا يَحفر(١٦) في سد مأرب، الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم. فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النَّقُلة عن اليمن فكاد(١٧) قومه، فأمر أصغر أولاده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو : لا أقيم ببلد لَطَم وجهي فيها أصغر ولدي(١٨). وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن : اغتنموا غَضْبَةَ عمرو. فاشتروا منه أمواله، وانتقل هو في ولده وولد ولده. وقالت الأزد : لا نتخلف عن عمرو بن عامر. فباعوا أموالهم، وخرجوا معه فساروا(١٩) حتى نزلوا بلاد " عك " مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، وكانت حربهم سجَالا. ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي :
وَعَكَ بنُ عَدنَانَ الذين تَغَلَّبُوابِغَسَّانَ، حتى طُرّدُوا كُلّ مَطْرَد
وهذا البيت من(٢٠) قصيدة له.
قال : ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد، فنزل آل جَفْنَة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مَرّا. ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عُمَان عُمان، ثم أرسل الله على السد السيل فهدمَه، وفي ذلك أنزل الله عز وجل هذه الآيات. (٢١)
وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال :" فأمر ابن أخيه "، مكان " ابنه "، إلى قوله :" فباع ماله وارتحل بأهله، فتفرقوا ". رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد، أخبرنا [ سلمة ](٢٢)، عن ابن إسحاق قال : يزعمون أن عمرو بن عامر - وهو عم القوم - كان كاهنًا، فرأى في كهانته أن قومه سَيمَزّقون ويباعَدُ بين أسفارهم. فقال لهم : إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هَمٍّ بعيد وجمل شديد، ومَزَاد جَديد - فليلحق بكاس أو كرود. قال : فكانت وادعة بن عمرو. ومَنْ كان منكم ذا هَمّ مُدْن، وأمر دَعْن، فليلحق بأرض شَنْ. فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم : بارق. ومَنْ كان منكم يريد عيشا آنيا، وحرما آمنا، فليلحق بالأرزين. فكانت خزاعة. ومَنْ كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار. ومَنْ كان منكم يريد خمرا وخَميرا، وذهبا وحريرا، وملكا وتأميرا، فليلحق بكُوثي وبُصرى، فكانت غسانَ بنو جَفنة(٢٣) ملوكُ الشام. ومَنْ كان منهم بالعراق. قال ابن إسحاق : وقد سمعت بعض أهل العلم يقول : إنما قالت هذه المقالة طريفةُ امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أيّ ذلك كان. (٢٤)
وقال سعيد، عن قتادة، عن الشعبي : أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان، فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
ثم قال محمد بن إسحاق : حدثني أبو عبيدة قال : قال الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة - واسمه : ميمون بن قيس :
وَفي ذَاكَ للمُؤتَسي(٢٥) أسْوَةٌومَأربُ عَفّى عَلَيها العَرمْ
رُخَام بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيرُإذا جاءَ مَوَارهُ لم يَرمْ
فَأرْوَى الزُّرُوعَ وَأعنَابَهاعَلَى سَعَة مَاؤهُمْ إذْ(٢٦) قُسِم
فَصَارُوا أيَادي مَا يَقْدرُونَ منْه عَلَى شُرب طِفْل فُطِم(٢٧)
وقوله تعالى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي : إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل العافية، عقوبةَ على ما ارتكبوه من الكفر والآثام - لعبرةً وَدَلالةً لكل عبد صبار(٢٨) على المصائب، شكور على النعم.
قال(٢٩) الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني، قالا أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن حُرَيث عن عمر بن سعد، عن أبيه - هو سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ﷺ :" عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن، إن أصابه خير حَمدَ رَبَّه وشكر، وإن أصابته مصيبة حَمِد ربه وصَبَر، يؤجر المؤمن في كل شيء، حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته ".
وقد رواه النسائي في " اليوم والليلة "، من حديث أبي إسحاق السَّبِيعي، به(٣٠) - وهو حديث عزيز - من رواية عمر بن سعد، عن أبيه. ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة :" عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا(٣١)، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ". (٣٢)
قال عبد : حدثنا يونس، عن شيبان، عن(٣٣) قتادة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال : كان مطرّف يقول : نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
١ - في ت، س، أ: "فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا"..
٢ - في ت: "في"..
٣ - في ت: "ومدر"..
٤ - في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى عكرمة"..
٥ - زيادة من ت، س، أ..
٦ - في س: "فأخبروا به الكهنة"..
٧ - في أ: "خبر"..
٨ - في س: "وكان"..
٩ - في أ: "أضلهم"..
١٠ - في ت، س: "ابنى"..
١١ - في ت: "قالها"..
١٢ - في ت: "فيحق"..
١٣ - في ت: "فليحق"..
١٤ - في س: "قومنا"..
١٥ - في ت: "كهناتهم"..
١٦ - في س: "تحفر"..
١٧ - في ت، س: "وكاد"..
١٨ - في ت: "أولادى"..
١٩ - في ت: "فسار"..
٢٠ - في ت، س: "في"..
٢١ - السيرة النبوية لابن هشام (١/١٠)..
٢٢ - زيادة من ت، والطبري..
٢٣ - في ت: "بنو حنيفة"..
٢٤ - تفسير الطبري (٢٢/٥٩)..
٢٥ - في ت: "وفي ذلك للمتوسى"..
٢٦ - في ت: "إذا"..
٢٧ - السيرة النبوية لابن هشام (١/١٤)..
٢٨ - في ت: "صبار شكور على"..
٢٩ - في ت: "وروى"..
٣٠ - المسند (١/١٧٣) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٩٠٦)..
٣١ - في ت، س: "خيرًا له"..
٣٢ - لم أجده من حديث أبي هريرة، وقد رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٩٩) من حديث صهيب، رضي الله عنه..
٣٣ - في ت: "وعن"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
صبار على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه اللّه، ولا يتسخطها بل يصبر عليها. شكور لنعمة اللّه تعالى يُقِرُّ بها، ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك أن تلك العقوبة، جزاء لكفرهم نعمة اللّه، وأن من فعل مثلهم، فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى، حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل اللّه، صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٥ - ٢١} ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها "مأرب" ومن نعم الله ولطفه بالناس عموما، وبالعرب خصوصا، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أي: محلهم الذي يسكنون فيه ﴿آيَةٌ﴾ والآية هنا: ما أدرَّ الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا الله ويشكروه. ثم فسر الآية بقوله ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ وكان لهم واد عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدا محكما، يكون مجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله. وتُغِلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان، من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.
ومنها: أن الله جعل بلدهم، بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
ومنها: أن الله تعالى وعدهم - إن شكروه - أن يغفر لهم وَيرحمهم، ولهذا قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾
ومنها: أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، - الظاهر أنها: [قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها] الشام - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد.
ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: [سيرا] مقدرا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أي: مطمئنين في السير، في تلك الليالي والأيام، غير خائفين. وهذا من تمام نعمة الله عليهم، أن أمنهم من الخوف.
فأعرضوا عن المنعم، وعن عبادته، وبطروا النعمة، وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا، أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى، التي كان السير فيها متيسرا.
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بكفرهم بالله وبنعمته، فعاقبهم الله تعالى بهذه النعمة، التي أطغتهم، فأبادها عليهم، فأرسل عليها سيل العرم.
أي: السيل المتوعر، الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهذا كله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم.
فكما بدلوا الشكر الحسن، بالكفر القبيح، بدلوا تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ أي: وهل نجازي جزاء العقوبة - بدليل السياق - إلا من كفر بالله وبطر النعمة؟
فلما أصابهم ما أصابهم، تفرقوا -[٦٧٨]- وتمزقوا، بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم الله أحاديث يتحدث بهم، وأسمارا للناس، وكان يضرب بهم المثل فيقال: "تفرقوا أيدي سبأ" فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه الله، ولا يتسخطها بل يصبر عليها. شكور لنعمة الله تعالى يُقِرُّ بها، ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك أن تلك العقوبة، جزاء لكفرهم نعمة الله، وأن من فعل مثلهم، فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر الله تعالى، حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل الله، صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا.
ثم ذكر أن قوم سبأ من الذين صدَّق عليهم إبليس ظنه، حيث قال لربه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وهذا ظن من إبليس، لا يقين، لأنه لا يعلم الغيب، ولم يأته خبر من الله، أنه سيغويهم أجمعين، إلا من استثنى، فهؤلاء وأمثالهم، ممن صدق عليه إبليس ظنه، ودعاهم وأغواهم، ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن لم يكفر بنعمة الله، فإنه لم يدخل تحت ظن إبليس.
ويحتمل أن قصة سبأ، انتهت عند قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على جنس الناس، فتكون الآية عامة في كل من اتبعه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ أي: لإبليس ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: تسلط وقهر، وقسر على ما يريده منهم، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت تسليطه وتسويله لبني آدم.
﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ أي: ليقوم سوق الامتحان، ويعلم به الصادق من الكاذب، ويعرف من كان إيمانه صحيحا، يثبت عند الامتحان والاختبار، وإلقاء الشبه الشيطانية، ممن إيمانه غير ثابت، يتزلزل بأدنى شبهة، ويزول بأقل داع يدعوه إلى ضده، فالله تعالى جعله امتحانا، يمتحن به عباده، ويظهر الخبيث من الطيب.
﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ يحفظ العباد، ويحفظ عليهم أعمالهم، ويحفظ تعالى جزاءها، فيوفيهم إياها، كاملة موفرة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٢ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ
جَعَلْنَاهُمْ عِبَرًا وَأَحَادِيثَ لِمَنْ يَاتِي بَعْدَهُمْ.
وَمَزَّقْنَاهُمْ
فَرَّقْنَاهُمْ فيِ البِلَادِ.

إعراب الآية ١٩ من سورة سبأ

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة سبإ (٣٤) : آية ١٩]

فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فيه ستة أوجه من القراءات «١» قرأ الحسن وأبو رجاء وأبو مالك وأبو جعفر وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا، وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو ربّنا بعد بين أسفارنا وقرأ محمد ابن الحنفية ويروى عن ابن عباس وأبي صالح ربّنا باعد بين أسفارنا، وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر وتروى عن ابن عباس ربّنا بعّد بين أسفارنا، وقرأ سعيد بن أبي الحسن وهو أخو الحسن البصري فقالوا ربّنا بعد بين أسفارنا. فهذه خمس قراءات. وروى الفراء وأبو إسحاق السادسة ربّنا بعد بين أسفارنا قال أبو جعفر: القراءة الأولى ربّنا نصب على أنه نداء مضاف وهو منصوب على أنه مفعول به لأن معناه ناديت ودعوت، وكذلك القراءة الثانية و «باعد» و «بعّد» واحد في المعنى، كما تقول: قارب وقرّب، والمعنى على ما روى محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قال: كانوا آمنين يخرجون إلى أسفارهم ولا يتزوّدون يبيتون في قرية ويقيلون في قرية فبطروا النعمة فقالوا: ربّنا بعد بين أسفارنا فعاقبهم الله جلّ وعزّ.
والقراءة الثالثة «ربّنا» رفع بالابتداء و «باعد» فعل ماض في موضع الخبر، وكذا الرابعة، وقد فسّرها ابن عباس قال: شكوا أن ربّهم باعد بين أسفارهم. القراءة الخامسة ربّنا بعد بين أسفارنا. «ربّنا» نداء مضاف ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا «بعد بين أسفارنا» ورفع «بين» بالفعل أي بعد ما يتصل بأسفارنا. والقراءة السادسة مثل هذه إلا أنها تنصب «بين» على أنه ظرف، وتقديره في العربية: بعد سيرنا بين أسفارنا. وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال: إحداها أجود من الأخرى، لا يقال ذلك في الأخبار إذا اختلفت معانيها ولكن خبّر عنهم أنهم دعوا أن يبعّد بين أسفارهم بطر وأشرا، وخبّر أنهم لمّا فعل بهم ذلك خبّروا به وشكوا، كما قال ابن عباس وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي بكفرهم فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي يتحدّث بهم بأخبارهم، وتقديره في العربية ذوي أحاديث. وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي لمّا لحقهم ما لحقهم تفرّقوا وتمزّقوا. قال الشعبي:
فلحقت الأنصار بيثرب. وغسان بالشام، وأسد بعمان، وخزاعة بتهامة. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ «صبّار» تكثير صابر، والصابر الذي يصبر عن المعاصي يمدح بهذا الاسم وإن أردت أنه صبر على المعصية لم يستعمل فيه إلا صابر عن كذا قال جلّ وعزّ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠].
(١) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني ١٤٧، والبحر المحيط ٧/ ٢٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٩، والمحتسب ٢/ ١٨٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٩ من سورة سبأ

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَسْفَارِنَا

بإمالة الألف

الدوري عن الكسائي السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

بتقليل الألف

ورش عن نافع

بفتح الألف

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف

بَاعِدْ

(بَاعَدَ) بفتح الباء والعين والدال وبألف بعد الباء وتخفيف العين

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(بَاعِدْ) بفتح الباء وكسر العين وتخفيفها وبألف بعد الباء وإسكان الدال

قالون عن نافع خلف عن حمزة إدريس عن خلف خلاد عن حمزة إسحاق عن خلف أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر حفص عن عاصم ورش عن نافع شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر

(بَعِّدْ) بفتح الباء وتشديد العين وكسرها وحذف الألف وإسكان الدال

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر

صَبَّارٍ

بإمالة الألف

الدوري عن الكسائي السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

بتقليل الألف

ورش عن نافع

بفتح الألف

إدريس عن خلف روح عن يعقوب إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير قالون عن نافع حفص عن عاصم رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر خلاد عن حمزة شعبة عن عاصم خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٩ من سورة سبأ

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٨ أقوال
١
قال يحيى بن سلّام: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بشِرْكِهم؛ ﴿فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ﴾ لِمَن بعدهم، ﴿ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بدَّدنا عظامهم وأوصالهم، فأكلهم التراب١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٥٥.
٢
قال مُطرِّف [بن عبد الله بن الشِّخِّير] -من طريق قتادة- في قوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾: نِعْمَ العبدُ الصبّارُ الشكورُ؛ الذي إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد -كما في تفسير ابن كثير ٦‏/‏٥٠٠-، وابن جرير ١٩‏/‏٢٦٨. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
عن عامر الشعبي، في قوله: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾، قال: صبّار في الكريهة، شكور عند الحسنة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ يعني: في هلاك جنَّتيهم وتفريقهم عبرة ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ يعني: المؤمن مِن هذه الأمة؛ صبور على البلاء إذا ابتُلي لما ابتلي أهل سبأ، ﴿شَكُورٍ﴾ لله عز وجل في نِعَمه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٣٠.
٥
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إهلاك القرية، ومَن فيها مِن أهلها ﴿لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ على أمرِ الله، ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمة الله، وهو المؤمن١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٥٥.
٦
عن عامر الشعبي -من طريق قتادة- في قوله: ﴿ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، قال: أمّا غسّان فلحقوا بالشام، وأمّا الأنصار فلحقوا بيثرب، وأمّا خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعُمان؛ فمزّقهم الله كل مُمزّق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٦٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٧
قال مقاتل بن سليمان: سألوا ربَّهم أن تكون القرى والمنازل بعضُها أبعدَ من بعض، ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ﴾ للناس، ﴿ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يقول الله عز وجل: وفرَّقناهم في كل وجه، فلما خرجوا من أرض سبأ ساروا، فأما الأزد فنزلوا البحرين وعُمان، وأما خُزاعة فنزلوا بمكة، وأما الأنصار -وهم الأوس والخزرج- فنزلوا بالمدينة، وأما غسان فنزلوا بالشام؛ فهذا تَمَزُّقهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٣٠.
٨
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: يزعمون أنّ عمرو بن عامر -وهو عمُّ القومِ- كان كاهنًا، فرأى في كهانته أنّ قومه سيُمَزَّقون، ويُباعَد بين أسفارهم، فقال لهم: إنِّي قد علمتُ أنكم ستمزَّقون، فمَن كان منكم ذا هَمٍّ بعيد، وجَمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكأس أو كرود١ -قال: فكانت وادعة بن عمرو-، ومن كان منكم ذا هَمٍّ مُدْنٍ، وأمرٍ ذُعْرٍ، فليلحق بأرض شنٍّ٢ -فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق-، ومَن كان منكم يريد عيْشًا آيِنًا٣، وحَرَمًا آمنًا، فليلحق بالأرْزين٤ -فكانت خزاعة-، ومن كان يريد الراسيات في الوحْل، المُطعمات في المحْل٥، فليلحق بيثرب ذات النخل -فكانت الأوس والخزرج، فهما هذان الحيّان من الأنصار-، ومن كان يريد خَمرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلكًا وتأميرًا فليلحق بكوثى٦ وبُصرى. فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام، ومن كان منهم بالعراق٧٨
التخريج
  1. ١كأس وكرود: لم نجدهما، ويظهر أنهما موضعان.
  2. ٢شن: ناحية بين تهامة واليمن. معجم البلدان ٣‏/‏٣٢٩.
  3. ٣العيش الآين: الرافه الوادع. القاموس المحيط (أون).
  4. ٤لم نجده، وكأنه يشير إلى مكة.
  5. ٥المَحْل: الجوع الشديد، وإن لم يكن جدب. اللسان (محل).
  6. ٦كوثى: ثلاثة مواضع بالعراق. معجم البلدان ٤‏/‏٣١٧.
  7. ٧أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٦٧.
تعليقات المحققين
  1. ٨لم يذكر ابنُ جرير (١٩/٢٦٦-٢٦٨) غير قول محمد بن إسحاق، وقول عامر.

آثار متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن أبي الدرداء، قال: سمعتُ أبا القاسم ﷺ يقول: «إنّ الله قال: يا عيسى ابن مريم، إنِّي باعِثٌ بعدك أُمَّةً، إن أصابهم ما يُحِبُّون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حِلم ولا عِلم. قال: يا رب، كيف يكون هذا لهم، ولا حِلم ولا عِلم؟ قال: أُعطيهم مِن حِلمي وعلمي»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٥‏/‏٥٢٩ (٢٧٥٤٥)، والحاكم ١‏/‏٤٩٩ (١٢٨٩). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط البخاري، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٦٧-٦٨ (١٦٧٠٤): «رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير الحسن بن سوار، وأبي حلبس يزيد بن ميسرة، وهما ثقتان». وقال الألباني في الضعيفة ٩‏/‏٣٩ (٤٠٣٨): «ضعيف».
٢
عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمر المؤمن كله خير؛ إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢٢٩٥ (٢٩٩٩).
٣
عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبتُ للمؤمن، إن أُعطِي قال: الحمد لله. فشكر، وإن ابتُلي قال: الحمد لله. فصبر، فالمؤمن يُؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏٨٢ (١٤٨٧)، ٣‏/‏٨٦ (١٤٩٢)، ٣‏/‏١١٣ (١٥٣١)، ٣‏/‏١٤٢ (١٥٧٥)، من طريق عبد الرحمن وعبد الرزاق، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد، عن أبيه به. قال البزار في مسنده ٤‏/‏٢٨: «ولا نعلمه يروى عن سعد بإسناد صحيح إلا من هذا الوجه». ووقع في أسانيده اختلاف ذكر الدارقطني في العلل ٤‏/‏٣٥١ وجوه اختلاف الرواة فيها وصلًا أو إرسالًا، ورفعًا أو وقفًا على النبي ﷺ.
٤
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن نظر في الدين إلى مَن فوقه، وفي الدنيا إلى مَن تحته؛ كتبه الله صابرًا وشاكرًا، ومَن نظر في الدين إلى مَن تحته، ونظر في الدنيا إلى مَن فوقه؛ لم يكتبه الله صابرًا ولا شاكرًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦‏/‏٣١٧-٣١٨ (٤٢٥٥)، وأبو نعيم في الحلية ٨‏/‏٢٨٦. قال الألباني في الضعيفة ٢‏/‏٩٤ (٦٣٣): «لا أصل له بهذا اللفظ».
٥
عن عامر الشعبي -من طريق مغيرة- قال: الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر (٥٧)، وابن جرير ١٨‏/‏٥٧٨ في سورة إبراهيم، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤٤٨).
٦
عن الربيع بن برة -من طريق محمد بن سنان- قال: ابنَ آدم، إنما أنت جِيفة مُنتِنة، طيَّبَ نسيمَك ما رُكِّب فيك مِن روح الحياة، فلو قد نُزِع منك رُوحك أُلقيتَ جثةً ملقاة، وجيفة مُنتِنَة، وجسدًا خاويًا، وقد جيَّف بعد طيب ريحه، واستوحش منه بعد الأُنس بقربه، فأيُّ الخليقة -ابنَ آدم- منك أجهل؟! وأيُّ الخليقة منك أعجب؟! إذا كنتَ تعلم أنّ هذا مصيرك، وأنّ التراب مقِيلك، ثم أنت بعد هذا لِطُول جهلك تَقَرَّ بالدنيا عينًا، أما سمعته يقول: ﴿فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾؟! أما –واللهِ- ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظيم ثوابهما عنده لأوليائه، أما سمعته يقول -جل ثناؤه-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، أوَما سمعته يقول -عزَّ شأنُه-: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فهاهما منزلتان عظيمتا الثواب عند الله قد بذلهما لك، يا ابنَ آدم، فمَن أعظمُ في الدنيا منك غفلة؟! أو مَن أطول في القيامة حسرة؟! إن كنتَ ترغب عمّا رغب لك فيه مولاك، وإنك تقرأ في الليل والنهار في الصباح والمساء: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٥‏/‏٥٤٧-٥٤٨ (٤٧٩)-.

قراءات

٦ أقوال
١
عن سعيد بن أبي الحسن، أنه قرأ: (بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا) بنصب الباء، ورفع العين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن اليماني وجماعة. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٢٢.
٢
عن الحسن البصري -من طريق هارون، عن عمرو وإسماعيل-: ﴿قالُواْ رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾، وأبو عمرو، ومجاهد: «بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا»، وقول الكلبي: «رَبُّنا باعَدَ»: فعل ذلك بنا١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق ص ١٥٣. وكلها قراءات متواترة، فقرأ يعقوب: «رَبُّنا باعَدَ»، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وهشام: «رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا»، وقرأ بقية العشرة: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾. انظر: النشر ٢/ ٣٥٠، والإتحاف ص ٤٥٩.
٣
عن أبي قدامة، قال: سمعتُ عبد الله بن كثير -وكان قرأ على مجاهد- يقرأ: ‹رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا›١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه- التفسير ٧‏/‏١٠٠ (١٧٦٢).
٤
عن عاصم، أنه قرأ: ﴿رَبَّنا﴾ بالنصب ﴿باعِدْ﴾ بنصب الباء وكسر العين على الدعاء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
عن محمد بن السائب الكلبي، أنّه قرأ: (قالُواْ رَبُّنا بَعَّدَ) مثقلة، على معنى: فَعَّلَ١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ جرير (١٩/٢٦٤-٢٦٥) في قوله: ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ أربع قراءات، فقال: «اختلف القرأة في قراءة قوله: ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ فقرأته عامة قرأة المدينة والكوفة: ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ على وجه الدعاء والمسألة بالألف؛ وقرأ ذلك بعض أهل مكة والبصرة: ‹بَعِّدْ› بتشديد العين على الدعاء أيضًا، وذكر عن بعض المتقدمين أنه كان يقرؤه: ‹رَبُّنا باعَدَ بَيْنَ أسْفارِنا› على وجه الخبر عن الله أنّ الله فعل ذلك بهم. وحكي عن آخر أنه قرأه: (رَبَّنا بَعُدَ) على وجه الخبر أيضًا غير أن الربَّ منادى». وبنحو توجيه ابن جرير لقراءتي: ﴿باعِدْ﴾ و‹باعَدَ› وجّههما ابنُ عطية (٧/١٧٩-١٨٠). ثم علّق ابنُ جرير بقوله: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿ربنا باعد﴾ و‹بَعِّدْ›؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرأة الأمصار، وما عداهما فغير معروف فيهم، على أن التأويل من أهل التأويل أيضًا يحقق قراءة من قرأه على وجه الدعاء والمسألة، وذلك أيضًا مما يزيد القراءة الأخرى بعدًا من الصواب، فإذا كان ذلك كذلك وهو الصواب من القراءة فتأويل الكلام: فقالوا: يا ربنا، باعد بين أسفارنا، فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز؛ لنركب فيها الرواحل، ونتزود معنا فيها الأزواد».
٦
عن يحيى بن يَعْمَرأنه قرأ: (قالُواْ رَبُّنا بَعَّدَ بَيْنَ أسْفارِنا) مثقلة. قال: لم يدعوا على أنفسهم، ولكن شكَوْا ما أصابهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن عباس، ومحمد بن علي بن الحنفية، والكلبي، وغيرهم. انظر: المحتسب ٢‏/‏١٨٩.

تفسير الآية

٧ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهُم﴾، قال: فإنّهم بطِروا عيْشَهم، وقالوا: لو كان جَنى جناتنا أبعد مما هي، كان أجدر أن نشتهيه. فمُزِّقوا بين الشام وسبأ، وبُدِّلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أُكُل خمط وأثلٍ وشيء من سدر قليل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٦٥.
٢
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾، قالوا: يا ليت هذه القرى يبعد بعضها عن بعض، فنسيرَ على نجائبنا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق حصين- في هذه الآية: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا﴾، قال: كانت لهم قرًى متصلة باليمن، كان بعضها ينظر إلى بعض، فبطِروا ذلك، وقالوا: ربَّنا باعد بين أسفارنا. قال: فأرسل الله عليهم سيلَ العرم، وجعل طعامهم أثلًا وخمطًا وشيئًا من سدر قليل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٦٥.
٤
قال الحسن البصري: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ إنهم ملُّوا النعمةَ كما ملَّتْ بنو إسرائيل المَنَّ والسلوى١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٥٥.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ بطِر القومُ نعمة الله، وغَمَطوا كرامة الله، قال الله: ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٦٦.
٦
عن محمد بن السائب الكلبي: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ إنّهم قالوا لرسلهم حين ابتُلوا حين كذّبوهم: قد كُنّا نأبى عليكم وأرضُنا عامِرَةٌ خير أرض، فكيف اليوم وأرضنا خراب!١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٥٥.
٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾: حتى نَبِيتَ في الفلوات والصحاري، ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٢٦٦.
التفسير بالمأثور لسورة سبأ كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٩ من سورة سبأ

٥ وقفات في هذه الآية

  • قوم سبأ عاشوا في نعمة لكنهم (اعتادوها فملوها) فقالوا :(ربنا باعد بين أسفارنا) فأحوج النعم للشكر : النعم المتكررة.

    — عقيل الشمري

  • (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق...) كلمة مزقت أمة! احذر لسانك!

    — فراج الصهيبي

  • الإعراض عن شكر المنعم عنوان زوال النعم وحلول النقم، { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} ...{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }.

    — مجالس التدبر

  • قوله {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} وبعده {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} بالجمع لأن المراد الأول لآية على إحياء الموتى فخصت بالتوحيد وفي قصة سبأ جمع لأنهم صاروا اعتبارا يضرب بهم المثل تفرقوا أيادي سبأ وفرقوا كل مفرق ومزقوا كل ممزق فرفع بعضهم إلى الشام وبعضهم {ذهب} إلى يثرب وبعضهم إلى عمان فختم بالجمع وخصت به لكثرتهم وكثرة من يعتبر بهم فقال {لآيات لكل صبار (على الجنة {شكور} على النعمة أي المؤمنين.

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • قوله {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} وبعده {لمن يشاء من عباده ويقدر له} سبق وخص هذه السورة بذكر الرب لأنه تكرر فيها مرات كثيرة منها {بلى وربي} {بلدة طيبة ورب غفور} {ربنا باعد بين} {يجمع بيننا ربنا} {موقوفون عند ربهم} ولم يذكر مع الأول {من عباده} لأن المراد بهم الكفار وذكره مع الثاني لأنهم المؤمنون وزاد {له} وقد سبق بيانه .

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

ترجمات معاني الآية ١٩ من سورة سبأ

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(19) But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations[1227] and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
[1227]- Stories related to others as lessons or examples.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال