الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
وقرىء :«ربنا باعد بين أسفارنا » وبعد. ويا ربنا، على الدعاء، بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المنّ والسلوى، وقالوا : لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشأم مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة. وقرىء :«ربنا بعِّد بين أسفارنا » وبعد بين أسفارنا على النداء، وإسناد الفعل إلى بين ورفعه به، كما تقول : سير فرسخان، وبوعد بين أسفارنا. وقرىء :«ربنا باعد بين أسفارنا » و «بين سفرنا » وبعد، برفع ربنا على الابتداء، والمعنى خلاف الأوّل، وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم، كأنهم كانوا يتشاجون على ربهم ويتحازنون عليه ﴿أَحَادِيثَ﴾ يتحدّث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً، يقولون : ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ. قال كثير :
لحق غسان بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان، ﴿صَبَّارٍ﴾ عن المعاصي ﴿شَكُورٍ﴾ للنعم.
| أَيَادِي سَبَا يَا عَزَّ مَا كُنْتُ بَعْدَكُمْ | فَلَمْ يَحْلُ بَالْعَيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنْظَرُ |