نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
قوله ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بأوصاف الكمال من الخلق والأمر كله مطلقاً في الأولى والأخرى وغيرهما مما يمكن أن يكون ويحيط به علمه سبحانه ﴿لله﴾ ذي الجلال والجمال.
ولما كان هذا هو(١) المراد، وصفه بما يفيد ذلك، فقال منبهاً على نعمة الإبداء(٢) والإبقاء أولاً :﴿الذي له﴾ أي وحده مِلكاً ومُلكاً وإن نسبتم إلى غيره ملكاً وملكاً ظاهرياً ﴿ما في السموات﴾ أي بأسرها ﴿وما في الأرض﴾ أي كما ترون أنه لا متصرف في شيء من ذلك كمال التصرف(٣) غيره، وقد علم في غير موضع وتقرر في كل فطرة أنه ذو العرش العظيم، فأنتج ذلك أن(٤) له ما يحويه عرشه من السماوات والأراضي(٥) وما فيها، لأن من المعلوم أن العرش محيط بالكل، فالكل فيه، وكل سماء في التي فوقها، وكذا الأراضي(٦)، وقد تقرر أن له ما(٧) في الكل، فأنتج ذلك أن له الكل بهذا البرهان الصحيح، وهو أبلغ مما لو عبر عن ذلك على وجه التصريح، (٨)وإذ قد(٩) كان له ذلك كله فلا نعمة على شيء إلا منه، فكل شيء يحمده بما له عليه من نعمه بلسان قاله، فإن لم يكن فبلسان حاله.
ولما أفاد ذلك أن له الدنيا وما فيها، وقد علم في آخر الأحزاب أن نتيجة الوجود العذاب والمغفرة، ونحن نرى أكثر الظلمة والمنافقين يموتون من غير عذاب، وأكثر المؤمنين يموتون لم يوفوا ما وعدوه من الثواب، ونعلم قطعاً أنه لا يجوز على حكيم أن يترك عبيده سدى يبغي بعضهم على بعض وهو لا يغير عليهم، فأفاد ذلك أن له داراً أخرى(١٠) يظهر فيها العدل وينشر الكرم والفضل، فلذلك قال عاطفاً على ما يسببه الكلام الأول من نحو : فله الحمد في الأولى، وطواه لأجل خفائه على أكثر الخلق، وأظهر ما في الآخرة لظهوره لأنها(١١) دار كشف الغطاء، فقال منبهاً على نعمة الإعادة(١٢) والإبقاء ثانياً :﴿وله﴾ أي وحده ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بالكمال ﴿في الآخرة﴾ ظاهراً لكل من يجمعه الحشر، وله كل ما فيها، لا يدعي ذلك أحد (١٣)في شيء منه(١٤) لا(١٥) ظاهراً ولا باطناً، فكل شيء فيها لظهور الحمد إذ ذاك بحمده كما ينبغي لجلاله بما له عليه من نعمة أقلها نعمة الإيجاد حتى أهل النار فإنهم يحمدونه بما يحبب إليهم في الدنيا من إسباغ نعمه ظاهرة وباطنة، ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل على وجه ما أبقى فيه للتحبب موضعاً في دعائهم إليه وإقبالهم عليه، وبذل النصيحة على وجوه من اللطف كما هو معروف عند من عاناه، فعلموا أنهم هم المفرطون حيث أبوا في الأولى حيث ينفع الإيمان، واعترفوا في الآخرة حيث فات الأوان ﴿وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش﴾ - الآيات، وأيضاً فهم يحمدونه في الآخرة لعلمهم أنه لا يعذب(١٦) أحداً منهم فوق ما يستحق وهو قادر على ذلك، ولذلك جعل النار طبقات، ورتبها دركات، فكانوا في الأولى حامدين على غير وجهه، فلم ينفعهم حمدهم لبنائه(١٧) على غير أساس، وحمدوا في الآخرة على(١٨) وجهه فما أغنى عنهم لكونها ليست دار العمل لفوات(١٩) شرطه، وهو الإيمان بالغيب، والآية من الاحتباك : حذف أولاً(٢٠) " له الحمد في الأولى " لما دل عليه ثانياً، وثانياً " وله كل ما في الآخرة(٢١) " لما دل عليه أولاً، وقد علم بهذا وبما(٢٢) قدمته في النحل والفاتحة أن الحمد تارة يكون بالنظر إلى الحامد(٢٣)، وتارة بالنظر إلى المحمود، فالثاني(٢٤) اتصاف المحمود بالجميل، والأول وصف الحامد له بالجميل، فحمد الله تعالى اتصافه بكل وصف جميل، وحمد الحامد له وصفه بذلك، فكل الأكوان ناطقة بألسن أحوالها بحمده سواء(٢٥) أنطق لسان(٢٦) القال بذلك أم لا، وهو محمود قبل تكوينها، وذلك هو معنى قولي(٢٧) الإحاطة بأوصاف الكمال، وحمد غيره له تارة يطلق بالمدلول اللغوي، وتارة بالمدلول العرفي، وتحقيق ما قال العلماء في ذلك في نفسه وبالنسبة بينه وبين الشكر أن الحمد في اللغة هو الوصف بالجميل الاختياري على جهة التعظيم، ومورده اللسان وحده فهو مختص بالظاهر(٢٨) ومتعلقه النعمة وغيرها، فمورده خاص ومتعلقه عام، والشكر لغة على العكس من ذلك متعلقه خاص ومورده عام، لأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب إنعامه فمورده(٢٩) الظاهر والباطن لأنه يعم اللسان والجنان والأركان، ومتعلقه النعمة الواصلة إلى الشاكر، ومن موارده القلب وهو أشرف الموارد كلها، لأنه فعله وإن كان خفياً يستقل بكونه شكراً من غير أن ينضم إليه فعل غيره بخلاف الموردين الآخرين، إذ لا يكون فعل شيء منهما(٣٠) حمداً ولا شكراً حقيقة ما لم ينضم إليه فعل القلب.
ولما كان تعاكس(٣١) الموردين ‍‍‍والمتعلقين ظاهر الدلالة على النسبة بين الحمد والشكر اللغويين، علم أن بينهما عموماً وخصوصاً وجهياً، لأن الحمد قد يترتب على الفضائل المجردة، والشكر قد يختص بالفواضل، فينفرد الحمد من هذه الجهة، وينفرد الشكر بالفعل الظاهر والاعتقاد الباطن على(٣٢) الفواضل من غير قول، ويجتمعان في الوصف (٣٣)الجناني واللساني(٣٤) على الفواضل، ففعل القلب اعتقاد اتصاف المشكور بصفات الكمال من الجلال والجمال، وفعل اللسان ذكر ما يدل على ذلك، وفعل الأركان الإتيان بأفعال دالة على ذلك.
ولما كان هذا حقيقة الحمد والشكر لغة لا عرفاً، وكانت الأوهام تسبق (٣٥)إلى أن(٣٦) الحمد ما يشتمل على لفظ ح م د، قال القطب الرازي في شرح المطالع : وليس الحمد عبارة عن خصوص قول القائل " الحمد لله " وإن كان هذا القول فرداً من أفراد الماهية، وكذا ليس ماهية الشكر عبارة عن خصوص قول القائل(٣٧) " الشكر لله " ولا القول المطلق الدال على تعظيم الله وإن كان الثاني جزءاً منه والأول فرد من هذا الجزء، وحقيقة الحمد في العرف ما يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً، وحقيقة الشكر العرفي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من القوى(٣٨) إلى ما خلق له كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته للاعتبار إلى عليّ حضراته، وإلقاء السمع إلى تلقي ما ينبىء عن مرضاته، والاجتناب عن منهياته، فذكر الوصف في اللغوي(٣٩) يفهم الكلام سواء كان نفسانياً أو لسانياً فيشمل حمد الله تعالى نفسه وحمدنا له، والجميل متناول للأنعام وغيره من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وعدم تقييد الوصف بكونه في مقابلة نعمه مظهر لأن الحمد قد يكون واقعاً بإزاء النعمة وقد لا يكون، واشتراط التعظيم يفهم تطابق الظاهر والباطن، فإن عرى قول اللسان عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه فعل الجوارح لم(٤٠) يكن حمداً حقيقة، بل استهزاء وسخرية، ومطابقة الجنان والأركان شرط في الحمد لا شطر، فلا يتداخل التعريفان، ولا يخرج بالاختيار صفات الله القديمة، فإنها من حيث قدرته على تعليقها بالأشياء تكون داخلة فيكون الحمد على الوصف الاختياري، وكذا إذا مدح الشجاع بشجاعته والقدرة على تعليق الوصف بما يتحقق به كانت الشجاعة ممدوحا بها، وما حصل من آثارها من النعمة محمودا عليه، وإذا وصف بالشجاعة خاصة لم يكن هناك محمود عليه، فقد علم من هذا أنه إذا(٤١) كان هناك اختيار في الآثار كان الحمد عليه وإلا فلا، فلا يسمى وصف اللؤلؤة بصفاء الجوهر وبهجة المنظر حمداً بل مدحاً، ويسمى الوصف بالشجاعة للاختيار في إظهار آثارها حمداً، فاختص الحمد بالفاعل المختار دون المدح، وعلم أيضاً أن القول المخصوص وهو " الحمد لله " ليس حمداً لخصوصه، بل لأنه دال على صفة الكمال ومظهر لها، فيشاركه في التسمية كل ما دل على ذلك من الوصف، ولذلك قال بعض المحققين من الصوفية : حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية، وذلك قد يكون بالقول كما عرف، وقد يكون بالفعل وهو أقوى، لأن الأفعال التي هي آثار الأوصاف تدل عليها دلالة عقلية قطعية، لا يتصور فيها خلف بخلاف الأقوال، فإن دلالتها عليها(٤٢) وضعية، وقد يتخلف عنها مدلولها، وقد حمد الله تعالى نفسه بما يقطع به من القول والفعل، أما الفعل فإنه بسط بساط الوجود(٤٣) على ممكنات لا تحصى ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى، فكشف ذلك عن صفات كماله وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية، فإن كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في عبارات المخلوق مثل هذه الدلالات، ومن ثمة قال صلى الله عليه وسلم
" لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ولا بد للتنبه لما قاله الأستاذ أبو الحسن (٤٤)التجيبي المغربي(٤٥) الحرالي في تفسيره بأن حمدلة الفاتحة تتضمن من حيث ظاهرها المدح التام الكامل ممن (٤٦)يرى المدحة(٤٧) سارية في كل ما أبدعه الله وما أحكمه من الأسباب التي احتواها الكون كله، وعلم أن كلتا يدى ربه(٤٨) يمين مباركة، وهو معنى ما يظهره إحاطة العلم بإبداء الله حكمته على وجه لا نكرة فيه منه، ولا ممن هو في أمره خليفته(٤٩)، وليس من معنى ما بين العبد وربه من وجه إسداء النعم وهو أمر يجده القلب علماً، لا أمر يوافق النفس غرضاً، فمن(٥٠) لم يكمل بعلم ذلك تالياً على أثر من علمه، واجداً بركة تلاوته - انتهى.
وأما القول فإنه سبحانه لما علم أن لسان الحال إنما يرمز رمزاً خفياً لا يفهمه إلا الأفراد وإن كان بعد التحقيق جلياً، أنزل علينا كتاباً مفصحاً بالمراد أثنى فيه على نفسه، وبين صفات كماله بالبيان الذي يعجز عنه القوى، ثم جعل الإعجاز دلالة قطعية على كماله، وعلى(٥١) كل ما له من جلاله وجماله، وقد علم من هذه التعاريف أن بين(٥٢) الحمد والشكر اللغويين عموماً وخصوصاً من وجه، لأن الحمد قد يترتب على الفضائل وهي الصفات(٥٣) الجميلة(٥٤) التي لا يتجاوز منها أثر ومنفعة إلى غير الممدوح كالشجاعة، والشكر يختص بالفواضل وهي النعم وهي الصفات(٥٥) والمزايا المتعدية التي يحصل منها منفعة لغير(٥٦) الممدوح كالإحسان والمواهب والعطايا كما مضى، وبين الحمد والشكر العرفيين(٥٧) عموماً وخصوصاً مطلقاً، فالحمد أعم مطلقاً لعموم النعم الواصلة إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشاكر، وذلك لأن المنعم المذكور في التعريف مطلق لم يقيد بكونه منعماً على الحامد أو على غيره، فمتناولهما(٥٨) بخلاف الشكر وقد اعتبر فيه منعم مخصوص(٥٩) وهو الله تعالى، ونعم واصلة منه إلى الشاكر، ولعموم هذا الحمد مطلقاً وخصوص هذا الشكر مطلقاً وجه ثان، وهو أن فعل القلب واللسان مثلاً قد يكون حمداً وليس شكراً أصلاً، إذ قد اعتبر فيه شمول الآلات، ووجه ثالث وهو أن الشكر بهذا المعنى لا يتعلق بغيره تعالى بخلاف الحمد، وما يقال من أن النسبة بالعموم المطلق، بين العرفيين إنما تصح بحسب الوجود دون الحمل(٦٠) الذي كلامنا فيه، لأن الحمد بصرف(٦١) القلب مثلاً فيما خلق لأجله جزء من صرف الجميع غير محمول عليه لامتيازه في الوجود عن سائر أجزائه، وأما في الحمل فلا يمتاز المحمول عن(٦٢) الموضوع في الوجود الخارجي، فغلط من باب اشتباه الشيء بما صدق هو عليه، فإن ما ليس محمولاً على ذلك الصرف(٦٣) هو ما صدق عليه الحمد، أعني صرف القلب وحده لا مفهومه المذكور، وهو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً، وهذا المفهوم يحمل على صرف الجميع، وما يقال إن صرف الجميع أفعال متعددة، فلا يصدق عليه أنه فعل
١ زيد من ظ وم ومد..
٢ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الإبدان..
٣ من م ومد، وفي الأصل وظ: التصريف..
٤ من ظ وم ومد، وفي الأصل: أنه..
٥ من م ومد، وفي الأصل وظ: الأرض..
٦ في ظ: الأرض..
٧ سقط من ظ..
٨ من م ومد، وفي الأصل وظ: إذا..
٩ من م ومد، وفي الأصل وظ: إذا..
١٠ من ظ وم ومد، وفي الأصل: أخراو ـ كذا..
١١ في ظ: لأن..
١٢ سقط من ظ ومد..
١٣ سقط ما بين الرقمين من م..
١٤ سقط ما بين الرقمين من م..
١٥ سقط من ظ ومد..
١٦ في ظ ومد: لم يعذب..
١٧ من ظ ومد، وفي الأصل وم: لبنائهم..
١٨ زيد في الأصل: غير، ولم تكن الزيادة في ظ وم ومد فحذفناها..
١٩ في ظ: بفوات..
٢٠ زيدت الواو في الأصل، ولم تكن في ظ وم ومد فحذفناها..
٢١ من م ومد، وفي الأصل وظ: الأرض..
٢٢ من ظ ومد، وفي الأصل وم: ما..
٢٣ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الحامل..
٢٤ من م ومد، وفي الأصل وظ: والثاني..
٢٥ من ظ وم ومد، وفي الأصل: سرا..
٢٦ من ظ وم ومد، وفي الأصل: بلسان..
٢٧ في ظ ومد: قول..
٢٨ من ظ وم ومد، وفي الأصل: بالمظاهر..
٢٩ من ظ وم ومد، وفي الأصل: فمرده..
٣٠ من ظ وم ومد، وفي الأصل: منها..
٣١ من ظ وم ومد، وفي الأصل: تذكر..
٣٢ في ظ: عن..
٣٣ في م ومد: اللساني والجناني..
٣٤ في م ومد: اللساني والجناني..
٣٥ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٣٦ سقط ما بين الرقمين من ظ..
٣٧ زيد من ظ وم ومد..
٣٨ من ظ وم ومد، وفي الأصل: القول..
٣٩ في مد: القوي..
٤٠ من ظ وم ومد، وفي الأصل: بل..
٤١ في ظ وم ومد: أن..
٤٢ من ظ وم ومد، وفي الأصل: عليه..
٤٣ من م ومد، وفي الأصل وظ: الوجوه..
٤٤ من ظ وم ومد، وفي الأصل: التجبي المعري ـ كذا..
٤٥ من ظ وم ومد، وفي الأصل: التجبي المعري ـ كذا..
٤٦ من ظ وم ومد، وفي الأصل: من المدحة له..
٤٧ من ظ وم ومد، وفي الأصل: من المدحة له..
٤٨ من ظ وم ومد، وفي الأصل: به..
٤٩ من ظ وم ومد، وفي الأصل: ـ كذا..
٥٠ من ظ وم ومد، وفي الأصل: ممن..
٥١ سقط من ظ وم ومد..
٥٢ من ظ وم ومد، وفي الأصل: من..
٥٣ زيد من ظ وم ومد..
٥٤ من ظ وم ومد، وفي الأصل: الجملية..
٥٥ من ظ وم ومد، وفي الأصل: للصفات..
٥٦ سقط من ظ..
٥٧ من ظ وم ومد، وفي الأصل: اللغويين..
٥٨ في ظ وم ومد: فتناولهما..
٥٩ من ظ وم ومد، وفي الأصل: بخصوص..
٦٠ من م ومد، وفي الأصل وظ: الحمد..
٦١ من م ومد، وفي الأصل وظ: تصرف..
٦٢ من م ومد، وفي الأصل وظ: من..
٦٣ من ظ وم ومد، وفي الأصل: انصرف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى