فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿الحمد للَّهِ﴾ تعريف الحمد مع لام الاختصاص مشعران باختصاص جميع أفراد الحمد بالله سبحانه على ما تقدم تحقيقه في فاتحة الكتاب، والموصول في محل جرّ على النعت، أو البدل، أو النصب على الاختصاص، أو الرفع على تقدير مبتدأ. ومعنى ﴿لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض﴾ : أن جميع ما هو فيها في ملكه، وتحت تصرفه يفعل به ما يشاء، ويحكم فيه بما يريد، وكل نعمة واصلة إلى العبد، فهي مما خلقه له، ومنّ به عليه، فحمده على ما في السموات والأرض هو : حمد له على النعم التي أنعم بها على خلقه مما خلقه لهم. ولما بين : أن الحمد الدنيوي من عباده الحامدين له مختص به بيّن أن الحمد الأخروي مختصّ به كذلك، فقال :﴿وَلَهُ الحمد في الأخرة﴾ وقوله :﴿له﴾ متعلق بنفس الحمد، أو بما تعلق به خبر الحمد أعني في الآخرة، فإنه متعلق بمتعلق عام هو الاستقرار، أو نحوه، والمعنى : أن له سبحانه على الاختصاص حمد عباده الذين يحمدونه في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة، كما في قوله :﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] وقوله :﴿الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقوله :﴿الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] وقوله :﴿الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥]، وقوله :﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠]، فهو سبحانه المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للدنيا ﴿وَهُوَ الحكيم﴾ الذي أحكم أمر الدارين ﴿الخبير﴾ بأمر خلقه فيهما، قيل والفرق بين الحمدين : أن الحمد في الدنيا عباده، وفي الآخرة تلذذ وابتهاج، لأنه قد انقطع التكليف فيها.