التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي
عن الكتاب
تفسير سورة سبأ
إثبات البعث
يفتتن الناس عادة بالقوة، ويمجدون الأقوياء، ويتعاطفون مع الأبطال، ويتابعون مشاهد بطولاتهم في أعمالهم، وما يلحقون به غيرهم من هزائم منكرة، ولكنهم مع الأسف الشديد لاهون، غير متأملين بمن هو مصدر القوة كلها جميعا في السماوات والأرض. وأبين دليل على قوة الله وعزته وسلطانه: خلقه السماوات والأرض، والإنسان في أقوم خلقه وأشدّ تركيب، وأحكم انسجام بين أجزاء جسده. قال الله تعالى مدللا على قدرته، وإثبات البعث، في مطلع سورة سبأ المكية، إلا قوله تعالى:
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قيل: هي مكية، والمراد: المؤمنون بالنبي صلّى الله عليه وسلم، وقيل: هي مدنية، والمراد من أسلم بالمدينة من أهل الكتاب كابن سلام وأشباهه:
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)
«١» «٢» [السبأ: ٣٤/ ١- ٥].
إثبات البعث
يفتتن الناس عادة بالقوة، ويمجدون الأقوياء، ويتعاطفون مع الأبطال، ويتابعون مشاهد بطولاتهم في أعمالهم، وما يلحقون به غيرهم من هزائم منكرة، ولكنهم مع الأسف الشديد لاهون، غير متأملين بمن هو مصدر القوة كلها جميعا في السماوات والأرض. وأبين دليل على قوة الله وعزته وسلطانه: خلقه السماوات والأرض، والإنسان في أقوم خلقه وأشدّ تركيب، وأحكم انسجام بين أجزاء جسده. قال الله تعالى مدللا على قدرته، وإثبات البعث، في مطلع سورة سبأ المكية، إلا قوله تعالى:
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قيل: هي مكية، والمراد: المؤمنون بالنبي صلّى الله عليه وسلم، وقيل: هي مدنية، والمراد من أسلم بالمدينة من أهل الكتاب كابن سلام وأشباهه:
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)
«١» «٢» [السبأ: ٣٤/ ١- ٥].
(١) لا يغيب.
(٢) الرجز: سيئ العذاب أو أشده، فهو العذاب السيئ جدا.
(٢) الرجز: سيئ العذاب أو أشده، فهو العذاب السيئ جدا.
الشكر والحمد المطلق التام لله مالك السماوات والأرض وما فيهما، والمتصرف بشؤونهما، له الحمد في الآخرة كالدنيا، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة بنعمه الكثيرة، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، يدبّر شؤون خلقه أحكم تدبير، وهو خبير ببواطن الأمور وظواهرها.
والألف واللام في كلمة الْحَمْدُ لاستغراق الجنس، أي الحمد بأنواعه المختلفة هو لله تعالى من جميع جهات الفكر.
والصفات التي تستوجب المحامد هي في الآية: ملكه جميع ما في السماوات وما في الأرض، وعلمه المحيط بكل شيء، وخبرته وحكمته بالأشياء، لخلقه إياها، ورحمته بأنواع خلقه، وغفرانه لأهل الإيمان.
ولله أيضا كل الحمد في الآخرة، فاللام والألف للجنس أيضا، وهو خبر يفيد أن لله وحده الحمد في الآخرة، لإنعامه وأفضاله ورحمته، وظهور قدرته، وغير ذلك من صفاته.
والله يعلم كل ما يدخل في الأرض، كالغيث والكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج من الأرض، كالحيوان والنبات والماء والمعادن. ويعلم ما ينزل من السماء كالملائكة والكتب والأرزاق، والأمطار، والصواعق، وما يعرج فيها كالملائكة أيضا، وأعمال العباد والغازات والأدخنة ووسائل النقل الجوي، والطيور، والله هو الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصيانهم بالعقوبة، الغفور لذنوب التائبين إليه، المتوكلين عليه.
ولكن أنكر الكفار قيام القيامة، فقالوا استعجالا منهم واستهزاء بالوعيد: لن تقوم الساعة، ولا حساب، ولا حشر، ولا جنة، ولا نار، فرد الله: قل أيها النبي
والألف واللام في كلمة الْحَمْدُ لاستغراق الجنس، أي الحمد بأنواعه المختلفة هو لله تعالى من جميع جهات الفكر.
والصفات التي تستوجب المحامد هي في الآية: ملكه جميع ما في السماوات وما في الأرض، وعلمه المحيط بكل شيء، وخبرته وحكمته بالأشياء، لخلقه إياها، ورحمته بأنواع خلقه، وغفرانه لأهل الإيمان.
ولله أيضا كل الحمد في الآخرة، فاللام والألف للجنس أيضا، وهو خبر يفيد أن لله وحده الحمد في الآخرة، لإنعامه وأفضاله ورحمته، وظهور قدرته، وغير ذلك من صفاته.
والله يعلم كل ما يدخل في الأرض، كالغيث والكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج من الأرض، كالحيوان والنبات والماء والمعادن. ويعلم ما ينزل من السماء كالملائكة والكتب والأرزاق، والأمطار، والصواعق، وما يعرج فيها كالملائكة أيضا، وأعمال العباد والغازات والأدخنة ووسائل النقل الجوي، والطيور، والله هو الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصيانهم بالعقوبة، الغفور لذنوب التائبين إليه، المتوكلين عليه.
ولكن أنكر الكفار قيام القيامة، فقالوا استعجالا منهم واستهزاء بالوعيد: لن تقوم الساعة، ولا حساب، ولا حشر، ولا جنة، ولا نار، فرد الله: قل أيها النبي
لهم: بلى والله لتأتينكم بلا شك أو ريب. وهذا في غاية التأكيد، بسبب القسم بالله، وتأكيد الفعل باللام، وبنون التوكيد الثقيلة.
والله القادر على البعث: عالم بالغيبيات، لا يغيب عنه شيء من الموجودات، ولو كان أصغر شيء كالذرة، يعلم الأصغر والأكبر، وكل ذلك ثابت علمه، ومدوّن في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ، وبما أن العلم بالمغيبات ثابت لله تعالى، فاقتضى إمكان البعث.
وقيام الساعة ضروري للحساب وإحقاق الحق والعدل بين الناس، من أجل إثابة المؤمنين الذي يعملون العمل الصالح: وهو الفرائض وكل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهوا عنه، وأولئك لا غيرهم لهم المغفرة، أي محو الذنوب، والرزق الكريم: وهو الجنة. وهذا هو الفريق الأول. وهو ضروري أيضا من أجل عقاب الكفار المعاندين الذين حاولوا إبطال آيات القرآن، وأدلة البعث، ظانين أنهم يفلتون من العقاب، وأولئك لا غيرهم لهم عذاب مؤلم شديد في نار جهنم، وهو أسوأ العذاب وأشده.
إن تصور عالم الآخرة الرهيب الذي لا بد من وقوعه بعلم الله تعالى وقدرته وحكمته، والنظر في مصائر الخلائق، وفصل الحساب بينهم وتصنيفهم إلى أهل الجنة وأهل النار، كل هذا مدعاة للتأمل في هذا المصير المحتوم والإعداد له بحسن الأعمال، وتجنب سوء الأفعال.
موقف المؤمنين والكافرين من البعث والنبوة
تفاوتت مواقف المؤمنين والكافرين من النبوة والبعث تفاوتا كبيرا، واختلفوا اختلافا صارخا، فأهل الإيمان والعلم يرون الوحي المنزل على محمد صلّى الله عليه وسلم حقا، وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأن البعث حق، وأهل الكفر والجهل يرون الوحي كذبا،
والله القادر على البعث: عالم بالغيبيات، لا يغيب عنه شيء من الموجودات، ولو كان أصغر شيء كالذرة، يعلم الأصغر والأكبر، وكل ذلك ثابت علمه، ومدوّن في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ، وبما أن العلم بالمغيبات ثابت لله تعالى، فاقتضى إمكان البعث.
وقيام الساعة ضروري للحساب وإحقاق الحق والعدل بين الناس، من أجل إثابة المؤمنين الذي يعملون العمل الصالح: وهو الفرائض وكل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهوا عنه، وأولئك لا غيرهم لهم المغفرة، أي محو الذنوب، والرزق الكريم: وهو الجنة. وهذا هو الفريق الأول. وهو ضروري أيضا من أجل عقاب الكفار المعاندين الذين حاولوا إبطال آيات القرآن، وأدلة البعث، ظانين أنهم يفلتون من العقاب، وأولئك لا غيرهم لهم عذاب مؤلم شديد في نار جهنم، وهو أسوأ العذاب وأشده.
إن تصور عالم الآخرة الرهيب الذي لا بد من وقوعه بعلم الله تعالى وقدرته وحكمته، والنظر في مصائر الخلائق، وفصل الحساب بينهم وتصنيفهم إلى أهل الجنة وأهل النار، كل هذا مدعاة للتأمل في هذا المصير المحتوم والإعداد له بحسن الأعمال، وتجنب سوء الأفعال.
موقف المؤمنين والكافرين من البعث والنبوة
تفاوتت مواقف المؤمنين والكافرين من النبوة والبعث تفاوتا كبيرا، واختلفوا اختلافا صارخا، فأهل الإيمان والعلم يرون الوحي المنزل على محمد صلّى الله عليه وسلم حقا، وأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأن البعث حق، وأهل الكفر والجهل يرون الوحي كذبا،