السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
وقرأ قوله تعالى :﴿ولقد صدّق عليهم إبليس﴾ أي : الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده، أو الإبلاس وهو اليأس من كل خير ليكون ذلك أبلغ في التبكيت والتوبيخ ﴿ظنه﴾ قرأه الكوفيون بتشديد الدال بعد الصاد أي : ظن فيهم ظناً حيث قال :﴿فبعزتك لأغوينّهم أجمعين ( ٨٢ ) إلا عبادك﴾ ( ص : ٨٢ ) ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ ( الأعراف، ١٧ ) فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه، والباقون بالتخفيف أي : صدّق عليهم في ظنه بهم أي : على أهل سبأ كما قاله أكثر المفسرين حين رأى انهماكهم في الشهوات أو الناس كلهم كما قاله مجاهد أي : حين رأى أباهم آدم ضعيف العزم، أو ما ركب فيهم من الشهوة والغضب أو سمع من الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ ( البقرة : ٣٠ ) فقال : لأضلنهم ولأغوينهم، أو الكفار ومنهم سبأ كما قاله الجلال المحلي ﴿فاتبعوه﴾ أي : بغاية الجهد بميل الطبع وقوله ﴿إلا فريقاً من المؤمنين﴾ استثناء متصل على قول مجاهد ومنقطع على قول غيره، وقال السدي عن ابن عباس رضي الله عنه : يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار، أو إلا فريقاً من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون قال ابن قتيبة : إن إبليس لعنه الله تعالى لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى وقال ﴿لأغوينّهم﴾ ( الحجر : ٣٩ ) و﴿لأضلنّهم﴾ ( النساء : ١١٩ ) لم يكن مستيقناً وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم، وإنما قاله ظناً، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.