البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ولما كان من العرب من يعبد الملائكة لتشفع له، نفى أن شفاعتهم تنفع، والنفي منسحب على الشفاعة، أي لا شفاعة لهم فتنفع، وليس المعنى أنهم يشفعون، ولا تنفع شفاعتهم، أي لا يقع من معبوداتهم شفاعة أصلاً.
ولأن عابديهم كفار، فإن كان المعبودون أصناماً أو كفاراً، كفرعون، فسلب الشفاعة عنهم ظاهر، وإن كانوا ملائكة أو غيرهم ممن عبد، كعيسى عليه السلام، فشفاعتهم إذا وجدت تكون لمؤمن.
و ﴿إلا لمن أذن له﴾ : استثناء مفرغ، فالمستثنى منه محذوف تقديره : ولا تنفع الشفاعة لأحد ﴿إلا لمن أذن له﴾.
واحتمل قوله لأحد أن يكون مشفوعاً له، وهو الظاهر، فيكون قوله :﴿إلا لمن أذن له﴾، أي المشفوع، أذن لأجله أن يشفع فيه ؛ والشافع ليس بمذكور، وإنما دل عليه المعنى.
واحتمل أن يكون شافعاً، فيكون قوله :﴿إلا لمن أذن له﴾ بمعنى : إلا لشافع أذن له أن يشفع، والمشفوع ليس بمذكور، إنما دل عليه المعنى.
وعلى هذا الاحتمال تكون اللام في ﴿أذن له﴾ لام التبليغ، لا لام العلة.
وقال الزمخشري : يقول : الشفاعة لزيد على معنى أنه الشافع، كما يقول : الكرم لزيد، وعلى معنى أنه المشفوع له، كما تقول : القيام لزيد، فاحتمل قوله :﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ أن يكون على أحد هذين الوجهين، أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له، أو لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له، أي لشفيعه، أو هي اللام الثانية في قولك : أذن لزيد لعمرو، أي لأجله، وكأنه قيل : إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف، وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله. انتهى.
فجعل ﴿إلا لمن أذن له﴾ استثناء مفرغاً من الأحوال، ولذلك قدره : إلا كائنة، وعلى ما قررناه استثناء من الذوات.
وقال أبو عبد الله الرازي : المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة : قائل : إن الله خلق السموات وجعل الأرض والأرضيات في حكمها، ونحن من جملة الأرضيات، فنعبد الكواكب والملائكة السماوية، وهم إلهنا، والله إلههم، فأبطل بقوله :﴿لا يملكون﴾، ﴿في السموات﴾، كما اعترفتم، ﴿ولا في الأرض﴾، خلاف ما زعمتم.
وقائل : السموات من الله استبداداً، والأرضيات منه بواسطة الكواكب، فإنه تعالى خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات وحركات وطوالع، فجعلوا مع الله شركاء في الأرض، والأولون جعلوا الأرض لغيره، فأبطل بقوله :﴿وما لهم فيهما من شرك﴾، أي الأرض، كالسماء لله لا لغيره، ولا لغيره فيهما نصيب.
وقائل : التركيبات والحوادث من الله، لكن فوض إلى الكواكب، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن، ويسلب عن المأذون له فيه، جعلوا السموات معينة لله، فأبطل بقوله :﴿وما له منهم من ظهير﴾ وقائل : نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا، فأبطل بقوله :﴿ولا تنفع الشفاعة﴾، الجملة، وأل في الشفاعة الظاهر أنها للعموم، أي شفاعة جميع الخلق.
وقيل : للعهد، أي شفاعة الملائكة التي زعموها شركاء وشفعاء.
انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقال أبو البقاء : اللام في ﴿لمن أذن له﴾ يجوز أن تتعلق بالشفاعة، لأنك تقول : أشفعت له، وأنت تعلق بتنفع.
انتهى، وهذا فيه قلة، لأن المفعول متأخر، فدخول اللام عليه قليل.
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي : أذن بضم الهمزة ؛ وباقي السبعة : بفتحها، أي أذن الله له.
والظاهر أن الضمير في قوله :﴿قلوبهم﴾ عائد على ما عادت عليه الضمائر التي للغيبة في قوله :﴿لا يملكون﴾، وفي ﴿ما لهم﴾، و ﴿ما لهم منهم﴾، وهم الملائكة الذين دعوهم آلهة وشفعاء، ويكون التقدير : إلا لمن أذن له منهم.
و ﴿حتى﴾ : تدل على الغاية، وليس في الكلام عائد على أن حتى غاية له.
فقال ابن عطية : في الكلام حذف يدل عليه الظاهر، كأنه قال : ولا هم شفعاء كما تحبون أنتم، بل هم عبدة أو مسلمون أبداً، يعني منقادون، ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾.
قال : وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله ﷺ، أن قوله :﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي، أي جبريل، وبالأمر يأمر الله به سمعت، كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة.
وقيل : خوف أن تقوم الساعة، فإذا فزع ذلك عن قلوبهم، أي أطير الفزع عنها وكشف، يقول بعضهم لبعض ولجبريل :﴿ماذا قال ربكم﴾ ؟ فيقول المسؤلون : قال ﴿الحق وهو العلي الكبير﴾، وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله :﴿الذين زعمتم﴾ لم تتصل له هذه الآية بما قبلها، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار، بعد حلول الموت : ففزع عن قلوبهم بفقد الحياة، فرأوا الحقيقة، وزال فزعهم مما يقال لهم في حياتهم، فيقال لهم حينئذ :﴿ماذا قال ربكم﴾ ؟ فيقولون : قال الحق، يقرون حين لا ينفعكم الإقرار.
وقالت فرقة : الآية في جميع العالم.
وقوله :﴿حتى﴾، يريد في الآخرة، والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح، وهو الذي تظاهرت به الأحاديث، وهذا بعيد. انتهى.
وإذا كان الضمير في ﴿عن قلوبهم﴾ لا يعود على ﴿الذين زعمتم﴾، كان عائداً على من عاد عليه الضمير في قوله :﴿ولقد صدّق عليهم إبليس﴾، ويكون الضمير في ﴿عليهم﴾ عائداً على جميع الكفار، ويكون حتى غاية لقوله :﴿فاتبعوه﴾، ويكون التفزيع حالة مفارقة الحياة، أو يجعل اتباعهم إياه مستصحباً لهم إلى يوم القيامة مجازاً.
والجملة بعد من قوله :﴿قل ادعوا﴾ اعتراضية بين المغيا والغاية.
قال ابن زيد : أقروا بالله حين لا ينفعهم الإقرار، فالمعنى : فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم ما كان يطلبهم به، ﴿قالوا ماذا قال ربكم﴾.
وقال الحسن : وإنما يقال للمشركين ﴿ماذا قال ربكم﴾ على لسان الأنبياء، فأقروا حين لا ينفع.
وقيل :﴿حتى﴾ غاية متعلقة بقوله :﴿زعمتم﴾، أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم : قال الحق. انتهى.
فيكون في الكلام التفاوت من خطاب في ﴿زعمتم﴾ إلى غيبة في ﴿فزع عن قلوبهم﴾.
وعن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ، قال : فإذا أذن فزع ودام فزعه حتى إذا أزيل التفزيع عن قلوبهم.
قال بعض الشافعين من الملائكة لبعض الملائكة :﴿ماذا قال ربكم﴾ في قبول شفاعتنا ؟ فيجيب بعضهم لبعض : قال أي الله الحق، أي القول الحق، وهو قبول شفاعتهم، إذا كان تعالى أذن لهم في ذلك، ولا يأذن إلا وهو مريد لقبول الشفاعة.
وقال الزمخشري : فإن قلت بم اتصل قوله :﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ ؟ ولا شيء وقعت حتى غاية له.
قلت : بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظار الإذن وتوقفاً وتمهلاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان وطول من التربص.
ومثل هذه الحال دل عليه قوله، عز من قائل :﴿رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطاباً، يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً﴾ كأنه قيل : يتربصون ويتوقفون ملياً فزعين وهلين.
﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ : أي كشف الفزع من قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن.
تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً :﴿ماذا قال ربكم﴾ ؟ قال الحق، أي القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. انتهى.
وتلخص من هذا أن حتى غائية إما لمنطوق وهو زعمتم، ويكون الضمير في ﴿عن قلوبهم﴾ التفاتاً، وهو للكفار، أو هو فاتبعوه، وفيه تناسق الضمائر لغائب.
والفصل بالاعتراض والضمير أيضاً للكفار، والضمير في ﴿قالوا﴾ للملائكة، وضمير الخطاب في ﴿ربكم﴾، والغائب في ﴿قالوا﴾ الثانية للكفار.
وأما لمحذوف، فما قدره ابن عطية لا يصح أن يغيا، لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وهم عبدة منقادون دائماً لا ينفكون عن ذلك، لا إذا فزع عن قلوبهم، ولا إذا لم يفزع، وحمل ذلك على الملائكة حال الوحي لا يناسب الآية، وكون النبي ﷺ، في قصة الوحي قال :« فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم »، لا يدل على أن هذه الآية في الملائكة حالة تكلم الله بالوحي.
والحديث رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ، قال :« إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون : يا جبريل ماذا قال ربك ؟ قال فيقول الحق، فينادون الحق » وما قدره الزمخشري يحتمل، إلا أن فيه تخصيص الذين زعمتم من دونه بالملائكة، والذين عبدوهم ملائكة وغيرهم.
وتخصيص من أذن له بالملائكة أيضاً، والمأذون لهم في الشفاعة الملائكة وغيرهم.
ألا ترى إلى ما حكى رسول الله ﷺ، في « الشفاعة في قوله عز وجل ؟ »
وقرىء : فزع مشدداً، من الفزع، مبنياً للمفعول، أي أطير الفزع عن قلوبهم.
وفعل تأتي لمعان منها : الإزالة، وهذا منه نحوه : قردت البعير، أي أزلت القراد عنه.
وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وطلحة، وأبو المتوكل الناجي، وابن السميفع، وابن عامر : مبنياً للفاعل من الفزع أيضاً، والضمير الفاعل في فزع إن كان الضمير في عن قلوبهم للملائكة، فهو الله، وإن كان للكفار، فالضمير لمغويهم.
وقرأ الحسن :﴿فزع﴾ من الفزع، بتخفيف الزاي، مبنياً للمفعول، و ﴿عن قلوبهم﴾ في موضع رفع به، كقولك : انطلق يزيد.
وقرأ الحسن أيضاً، وأبو المتوكل أيضاً، وقتادة، ومجاهد : فزع مشدداً، مبنياً للفاعل من الفزع.
وقرأ الحسن أيضاً : كذلك، إلا أنه خفف الزاي.
وقرأ عبد الله بن عمر، والحسن أيضاً، وأيوب السختياني، وقتادة أيضاً، وأبو مجلز : فرغ من الفراغ، مشدد الراء، مبنياً للمفعول.
وقرأ ابن مسعود، وعيسى افرنقع : عن قلوبهم، بمعنى انكشف عنها، وقيل : تفرق.
وقال الزمخشري : والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركب قمطر من حروف القمط مع زيادة الراء. انتهى.
فإن عني الزمخشري أن العين من حروف الزيادة، وكذلك الراء، وهو ظاهر كلامه، فليس بصحيح، لأن العين والراء ليستا من حروف الزيادة.
وإن عنى أن الكلمة فيها حروف، وما ذكروا زائداً إلى ذلك العين والراء كمادة فرقع وقمطر، فهو صحيح لولا إيهام ما قاله الزمخشري في هذه الكلمة، لم أذكر هذه القراءة لمخالفتها سواد المصحف.
وقالوا أيضاً في قوله تعالى :﴿حتى إذا فزع﴾ أقوالاً غير ما سبق.
قال كعب : إذا تكلم الله عز وجل بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرت فزعاً، قالوا فيما بينم :﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾.
وقيل : إذا دعاهم إسرافيل من قبورهم، قالوا مجيبين ماذا، وهو من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ، كما قاله زهير :
إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهمطوال الرماح لا ضعاف ولا عزل
وقيل : هو فزع ملائكة أدنى السموات عند نزول المدبرات إلى الأرض.
وقيل : لما كانت الفترة بين

تفسير هذه الآية من كتب أخرى