زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
﴿وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر :" أَذِنَ لَهُ " بفتح الألف. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف :" أَذِنَ لَهُ " برفع الألف وعن عاصم كالقراءتين. أي : لا تنفع شفاعة ملك ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، وقيل : حتى يؤذن له فيمن يشفع. وفي هذا رد عليهم حين قالوا : إن هذه الآلهة تشفع لنا.
﴿حَتَّى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ قرأ الأكثرون :" فُزّعَ " بضم الفاء وكسر الزاي. . قال ابن قتيبة : خفف عنها الفزع. وقال الزجاج : معناه : كشف الفزع عن قلوبهم. وقرأ ابن عامر، ويعقوب، وأبان :" فُزّعَ " بفتح الفاء والزاي، والفعل لله عز وجل. وقرأ الحسن، وقتادة، وابن يعمر :" فرغ " بالراء غير معجمة، وبالغين معجمة، وهو بمعنى الأول، لأنها فرغت من الفزع. وقال غيره : بل فرغت من الشك والشرك.
وفي المشار إليهم قولان :
أحدهما : أنهم الملائكة. وقد دل الكلام على أنهم يفزعون لأمر يطرأ عليهم من أمر الله، ولم يذكره في الآية، لأن إخراج الفزع يدل على حصوله. وفي سبب فزعهم قولان :
أحدهما : أنهم يفزعون لسماع كلام الله تعالى. روى عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال :" إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون : يا جبريل، ماذا قال ربك ؟ قال : فيقول : الحق، فينادون : الحق الحق ". وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال :" إذا قضى الله عز وجل الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : للذي قال الحق، ﴿وَهُوَ الْعَلِي الْكَبِيرُ﴾ ".
والثاني : أنهم يفزعون من قيام الساعة. وفي السبب الذي ظنوه بدنو الساعة ففزعوا، قولان :
أحدهما : أنه لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ثم بعث الله محمدا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الساعة، فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي، قاله قتادة، ومقاتل، وابن السائب، وقيل : لما علموا بالإيحاء إلى محمد ﷺ، فزعوا لعلمهم أن ظهوره من أشراط الساعة.
والثاني : أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ويكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الله تعالى فانحدروا، يسمع لهم صوت شديد، فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجدا، ويصعقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة، وهذا كلما مروا عليهم، رواه الضحاك عن ابن مسعود.
والقول الثاني : أن الذي أشير إليهم المشركون ؛ ثم في معنى الكلام قولان :
أحدهما : أن المعنى : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند الموت إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ في الدُّنْيَا ؟ قالوا : الحق، فأقروا حين لم ينفعهم الإقرار، قاله الحسن، وابن زيد.
والثاني : حتى إذا كشف الغطاء عن قلوبهم يوم القيامة، قيل لهم : ماذا قال ربكم ؟ قاله مجاهد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى