الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ أي : لا تنفع شفاعة شافع لأحد إلا لمن أذن الله له في الشفاعة والله لا يأذن بالشفاعة لأحد من أهل الكفر وأنتم أهل كفر فكيف تعبدون من تعبدون من دون الله زعما منكم أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله وليشفع لكم عند ربكم " فمن " على هذا التأويل للمشفوع له والتقدير : إلا لمن أذن له أن يشفع فيه.
وقيل : هي للشافع يراد به الملائكة أي لمن أذن له أن يشفع في غيره من الملائكة مثل قوله :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾(١).
قيل : من قال لا إله إلا الله ودل على ذلك قوله :﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾.
ثم قال تعالى :﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ أي : كشف عنها الفزع ومن فتح(٢) فمعناه : إذا كشف الله عن قلوبهم الجزع.
وقرأ الحسن : " فزع " الراء والعين غير معجمة(٣).
وروي عنه بالراء وعين معجمة(٤).
والمعنى أزيل عن قلوبهم الفزع.
قال ابن عباس : " فزع عن قلوبهم " جلي(٥).
وقال مجاهد : كشف عنهم الغطاء(٦) وهم الملائكة وذلك أن ابن مسعود قال : إذا حدث أمر عند ذي العرش، سمع من دونه من الملائكة صوتا كجر السلسلة على الصفا(٧) فيغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم نادوا ماذا قال ربكم ؟ فيقول من شاء الله : قال الحق وهو العلي الكبير(٨).
وروى أبو هريرة أن نبي الله ﷺ قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير " (٩).
وقال ابن جبير : ينزل الأمر من عند رب العزة إلى سماء الدنيا فيسمعون مثل وقع الحديد على الصفا، فيفزع أهل السماء الدنيا حتى يستبين لهم الأمر الذي نزل فيه فيقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم ؟ فيقولون : قال الحق وهو العلي الكبير(١٠).
وروي عن النبي ﷺ أنه قال : " إذا أراد الله جل ذكره أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة، خوفا من الله فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﷺ فيكلمه الله جل وعز من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة صلى الله عليهمكلما مر بسماء سألته ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل ﷺ : قال الحق وهو العلي الكبير : قال : فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل عليه السلام بالوحي حيث أمره الله عز وجل(١١).
قال قتادة : يوحي الله جل ذكره إلى جبريل ﷺ فتفرق(١٢) الملائكة مخافة أن يكون شيئا من أمور الساعة، فإذا أجلي عن قلوبهم وعلموا أن ذلك ليس من أمور الساعة، قالوا : ماذا قال ربكم(١٣).
وقال الضحاك : زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات(١٤) يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، فإذا أرسلهم الرب وانحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا وهذا كلما مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف الله(١٥).
وذكر ابن سحنون محمد(١٦) حدثنا بسنده إلى ابن عباس أنه قال : إن الله تبارك وتعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتا كصوت الحديد وقع على الصفا فيخرون سجدا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير.
وروى محمد حدثنا بسنده إلى ابن مسعود أنه قال : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة(١٧) كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى تأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم فإذا قاموا نادوا يا جبريل ماذا قال ربكم ؟ فيقول : الحق فينادون الحق الحق وهو العلي الكبير(١٨). وقال ابن زيد : هذا في بني آدم عند الموت أقروا بالله حين لم ينفعهم الإقرار(١٩).
فالمعنى فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وما كان يضلهم، أي : قالوا : ماذا قال ربكم، فيكون هذا الكلام مردودا على من تقدم ذكره من الذين صدق عليهم إبليس ظنه، وتكون الأقوال المتقدمة مردودة على ﴿إلا لمن أذن له﴾ أي لمن أذن له من الملائكة أن يشفع و﴿العلي﴾ الجبار و﴿الكبير﴾ السيد.
وقيل : هي للشافع يراد به الملائكة أي لمن أذن له أن يشفع في غيره من الملائكة مثل قوله :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾(١).
قيل : من قال لا إله إلا الله ودل على ذلك قوله :﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾.
ثم قال تعالى :﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ أي : كشف عنها الفزع ومن فتح(٢) فمعناه : إذا كشف الله عن قلوبهم الجزع.
وقرأ الحسن : " فزع " الراء والعين غير معجمة(٣).
وروي عنه بالراء وعين معجمة(٤).
والمعنى أزيل عن قلوبهم الفزع.
قال ابن عباس : " فزع عن قلوبهم " جلي(٥).
وقال مجاهد : كشف عنهم الغطاء(٦) وهم الملائكة وذلك أن ابن مسعود قال : إذا حدث أمر عند ذي العرش، سمع من دونه من الملائكة صوتا كجر السلسلة على الصفا(٧) فيغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم نادوا ماذا قال ربكم ؟ فيقول من شاء الله : قال الحق وهو العلي الكبير(٨).
وروى أبو هريرة أن نبي الله ﷺ قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير " (٩).
وقال ابن جبير : ينزل الأمر من عند رب العزة إلى سماء الدنيا فيسمعون مثل وقع الحديد على الصفا، فيفزع أهل السماء الدنيا حتى يستبين لهم الأمر الذي نزل فيه فيقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم ؟ فيقولون : قال الحق وهو العلي الكبير(١٠).
وروي عن النبي ﷺ أنه قال : " إذا أراد الله جل ذكره أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة، خوفا من الله فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﷺ فيكلمه الله جل وعز من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة صلى الله عليهمكلما مر بسماء سألته ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل ﷺ : قال الحق وهو العلي الكبير : قال : فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل عليه السلام بالوحي حيث أمره الله عز وجل(١١).
قال قتادة : يوحي الله جل ذكره إلى جبريل ﷺ فتفرق(١٢) الملائكة مخافة أن يكون شيئا من أمور الساعة، فإذا أجلي عن قلوبهم وعلموا أن ذلك ليس من أمور الساعة، قالوا : ماذا قال ربكم(١٣).
وقال الضحاك : زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات(١٤) يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، فإذا أرسلهم الرب وانحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا وهذا كلما مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف الله(١٥).
وذكر ابن سحنون محمد(١٦) حدثنا بسنده إلى ابن عباس أنه قال : إن الله تبارك وتعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتا كصوت الحديد وقع على الصفا فيخرون سجدا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير.
وروى محمد حدثنا بسنده إلى ابن مسعود أنه قال : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة(١٧) كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى تأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم فإذا قاموا نادوا يا جبريل ماذا قال ربكم ؟ فيقول : الحق فينادون الحق الحق وهو العلي الكبير(١٨). وقال ابن زيد : هذا في بني آدم عند الموت أقروا بالله حين لم ينفعهم الإقرار(١٩).
فالمعنى فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وما كان يضلهم، أي : قالوا : ماذا قال ربكم، فيكون هذا الكلام مردودا على من تقدم ذكره من الذين صدق عليهم إبليس ظنه، وتكون الأقوال المتقدمة مردودة على ﴿إلا لمن أذن له﴾ أي لمن أذن له من الملائكة أن يشفع و﴿العلي﴾ الجبار و﴿الكبير﴾ السيد.
١ الأنبياء: آية ٢٨.
٢ قراءة "فزع" بفتح الفاء والزاي هي لابن عامر. انظر: السبعة لابن مجاهد ٥٣٠ والكشف لمكي ٢/٢٠٥ والتيسير للداني ١٨١ وسراج القارئ ٣٣٠.
٣ انظر: البحر المحيط ٧/٢٧٨.
٤ انظر: المحتسب ٢/١٩١ ومعاني الفراء ٢/٣٦١ وإعراب النحاس ٣/٣٤٥ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٨ والبحر المحيط ٧/٢٧٨ والقراءات الشاذة ٧٥ وقد نسب ابن جني هذه القراءة أيضا إلى قتادة وأبي المتوكل.
٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٥ والدر المنثور ٦/٦٩٦.
٦ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٥ وتفسير ابن كثير ٣/٥٣٧ والدر المنثور ٦/٧٠١ وتفسير مجاهد ٥٥٥.
٧ الصفا: جمع صفاة وهي العريض من الحجارة الأملس وقيل: هي الحجر الصلد الذي لا ينبت شيئا انظر: اللسان مادة "صفا" ٩/٤٦٤.
٨ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠ وتفسير ابن مسعود ٢/٥١٥.
٩ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد ٨/١٩٤ والترمذي في سننه: أبواب التفسير تفسير سورة سبأ ٣٢٧٦ وابن ماجه في سننه: المقدمة ١٣، ١٩٤.
١٠ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠.
١١ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب التفسير تفسير سورة سبأ ٧/٩٧ وعلى المتقي في كنز العمال ٣٠٢٨ والطبري في جامع البيان ٢٢/٩٠ وابن كثير في تفسيره ٣/٥٣٩ وكلهم رووه عن النواس بن سمعان.
١٢ جاء في اللسان مادة "فرق" الفرق بالتحريك: الخوف وفرق منه بالكسر فرقا: جزع وفرق وأشفق ورجل فرق وفرق وفروق وفروقة وفاروق، وفاروقة: فزع شديد الفرق".
١٣ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٢ والدر المنثور ٦/٧٠٠.
١٤ سميت كذلك لأنها تتعقب على العبد وذلك أن ملائكة الليل إذا صعدت بالنهار أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار ثم أعقبتها ملائكة الليل. انظر: جامع البيان ١٣/١١٤ والجامع للقرطبي ٩/٢٩١ تفسير قوله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه﴾ الرعد: ١١ وانظر: أيضا اللسان مادة "عقب" ١/٦٢٠.
١٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٢ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٧، والبحر المحيط ٧/٢٧٩، والدر المنثور ٦/٧٠٠ وروح المعاني ٢٢/١٣٨ وتفسير ابن مسعود ٢/٥١٥.
١٦ هو محمد بن عبد السلام سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي، أبو عبد الله، فقيه مالكي مناظر من أهل القيروان عالم كثير التصانيف توفي سنة ٢٥٦ هـ انظر: ترتيب المدارك ٤/٢٠٤ وشجرة النور الزكية ٧٠.
١٧ الصلصة: صوت الحديد إذا حرك انظر: اللسان مادة: "صلل" ١١/٣٨٢.
١٨ انظر: الدر المنثور ٦/٦٩٩ وفيه نسبة هذه الرواية إلى البيهقي عن ابن مسعود..
١٩ انظر: جامع البيان ٢٢، ٩٢.
٢ قراءة "فزع" بفتح الفاء والزاي هي لابن عامر. انظر: السبعة لابن مجاهد ٥٣٠ والكشف لمكي ٢/٢٠٥ والتيسير للداني ١٨١ وسراج القارئ ٣٣٠.
٣ انظر: البحر المحيط ٧/٢٧٨.
٤ انظر: المحتسب ٢/١٩١ ومعاني الفراء ٢/٣٦١ وإعراب النحاس ٣/٣٤٥ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٨ والبحر المحيط ٧/٢٧٨ والقراءات الشاذة ٧٥ وقد نسب ابن جني هذه القراءة أيضا إلى قتادة وأبي المتوكل.
٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٥ والدر المنثور ٦/٦٩٦.
٦ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٥ وتفسير ابن كثير ٣/٥٣٧ والدر المنثور ٦/٧٠١ وتفسير مجاهد ٥٥٥.
٧ الصفا: جمع صفاة وهي العريض من الحجارة الأملس وقيل: هي الحجر الصلد الذي لا ينبت شيئا انظر: اللسان مادة "صفا" ٩/٤٦٤.
٨ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠ وتفسير ابن مسعود ٢/٥١٥.
٩ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد ٨/١٩٤ والترمذي في سننه: أبواب التفسير تفسير سورة سبأ ٣٢٧٦ وابن ماجه في سننه: المقدمة ١٣، ١٩٤.
١٠ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٠.
١١ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب التفسير تفسير سورة سبأ ٧/٩٧ وعلى المتقي في كنز العمال ٣٠٢٨ والطبري في جامع البيان ٢٢/٩٠ وابن كثير في تفسيره ٣/٥٣٩ وكلهم رووه عن النواس بن سمعان.
١٢ جاء في اللسان مادة "فرق" الفرق بالتحريك: الخوف وفرق منه بالكسر فرقا: جزع وفرق وأشفق ورجل فرق وفرق وفروق وفروقة وفاروق، وفاروقة: فزع شديد الفرق".
١٣ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٢ والدر المنثور ٦/٧٠٠.
١٤ سميت كذلك لأنها تتعقب على العبد وذلك أن ملائكة الليل إذا صعدت بالنهار أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار ثم أعقبتها ملائكة الليل. انظر: جامع البيان ١٣/١١٤ والجامع للقرطبي ٩/٢٩١ تفسير قوله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه﴾ الرعد: ١١ وانظر: أيضا اللسان مادة "عقب" ١/٦٢٠.
١٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٩٢ والجامع للقرطبي ١٤/٢٩٧، والبحر المحيط ٧/٢٧٩، والدر المنثور ٦/٧٠٠ وروح المعاني ٢٢/١٣٨ وتفسير ابن مسعود ٢/٥١٥.
١٦ هو محمد بن عبد السلام سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي، أبو عبد الله، فقيه مالكي مناظر من أهل القيروان عالم كثير التصانيف توفي سنة ٢٥٦ هـ انظر: ترتيب المدارك ٤/٢٠٤ وشجرة النور الزكية ٧٠.
١٧ الصلصة: صوت الحديد إذا حرك انظر: اللسان مادة: "صلل" ١١/٣٨٢.
١٨ انظر: الدر المنثور ٦/٦٩٩ وفيه نسبة هذه الرواية إلى البيهقي عن ابن مسعود..
١٩ انظر: جامع البيان ٢٢، ٩٢.