الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ : عطفٌ على اسم إنَّ. وفي الخبرِ أوجهٌ، أحدها : أنَّ الملفوظَ به الأولُ وحُذِفَ خبرُ الثاني للدلالة عليه. أي : وإنَّا لعَلى هُدىً أو في ضلال، أو إنكم لعلى هدىً أو في ضلالٍ. والثاني : العكسُ أي : حُذِف الأولُ، والمَلْفوظُ به خبرُ الثاني. وهو خلافٌ مشهورٌ تقدَّم تحقيقُه عند قولِه :﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وهذان الوجهان لا يَنْبغي أَنْ يُحْمَلا على ظاهرهِما قطعاً ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَشُكَّ أنه على هدىً ويقينٍ، وأنَّ الكفارَ على ضلالٍ، وإنما هذا الكلامُ جارٍ على ما يَتَخاطَبُ به العربُ من استعمالِ الإِنصاف في محاوراتِهم على سبيل الفَرَضِ والتقدير ويُسَمِّيه أهلُ البيانِ الاستدراجِ وهو : أَنْ يَذْكُرَ لمخاطبهِ أمراً يُسَلِّمه، وإنْ كان بخلافِ ما يَذْكر حتى يُصْغَي إلى ما يُلْقيه إليه، /إذ لو بدأه بما يَكْرَهُ لم يُصْغِ. ونظيرُه قولُهم : أَخْزَى اللَّهُ الكاذبَ مني ومنك. ومثلُه قولُ الشاعر :
وقولُ حسان :
مع العلم لكلِّ أحدٍ أنه صلَّى الله عليه وسلَّم خيرُ خَلْقِ اللَّهِ كلِّهم.
الثالث : أنه من بابِ اللفِّ والنَّشْرِ. والتقدير : وإنَّا لعلى هُدَىً وإنكم لفي ضلال مبين. ولكن لَفَّ الكلامين وأخرجَهما كذلك لعدمَ اللَّبْسِ، وهذا لا يتأتَّى إلاَّ أَنْ تكونَ " أو " بمعنى الواوِ وهي مسألةُ خلافٍ. ومِنْ مجيءِ " أو " بمعنى الواو قولُه :
وتقدَّم تقريرُ هذا وهذا الذي ذكرْتُه منقولٌ عن أبي عبيدة. الرابع : قال الشيخ :" وأو هنا على موضوعِها لكونِها لأحدِ الشيئَيْن وخبرُ ﴿إِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ هو ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ولا يُحتاج إلى تقديرِ حذفٍ ؛ إذ المعنى : أنَّ أحَدنا لَفي أحدِ هذَيْن كقولِك : زيدٌ أو عمروٌ في القصر أو في المسجدِ لا يُحتاج إلى تقديرِ حَذْفٍ إذ معناه : أحدُ هذَيْن في أحدِ هذين. وقيل : الخبرُ محذوفٌ، ثم ذَكَرَ ما قَدَّمْتُ إلى آخره. وهذا الذي ذكره هو تفسيرُ معنًى لا تفسيرُ إعرابٍ، والناسُ نظروا إلى تفسيرِ الإِعراب فاحتاجوا إلى ما ذكرْتُ.
| ٣٧٣٩ فَأَيِّي ما وأيُّك كان شَرَّاً | فَقِيْدَ إلى المَقامةِ لا يَرَاها |
| ٣٧٤٠ أَتَهْجُوه ولَسْتَ له بكُفْءٍ | فَشَرُّكُما لخيرِكما الفِداءُ |
الثالث : أنه من بابِ اللفِّ والنَّشْرِ. والتقدير : وإنَّا لعلى هُدَىً وإنكم لفي ضلال مبين. ولكن لَفَّ الكلامين وأخرجَهما كذلك لعدمَ اللَّبْسِ، وهذا لا يتأتَّى إلاَّ أَنْ تكونَ " أو " بمعنى الواوِ وهي مسألةُ خلافٍ. ومِنْ مجيءِ " أو " بمعنى الواو قولُه :
| ٣٧٤١ قَوْمٌ إذا سَمِعوا الصَّرِيْخَ رَأَيْتَهُمْ | ما بين مُلْجم مُهْره أو سافِعِ |